خريج لا تكلمني

خريج لا تكلمني

الوطن: العديد من العمانيين أمام شاشات التلفاز على القناة الرسمية في بداية كل عام دراسي يترقبون بانتباه شديد سماع اسم أحد أبنائهم يتخرجون في يومهم المنتظر بعد قضاء سنوات دراسية في مقاعد الجامعات والكليات بمختلف التخصصات وفي مختلف الصروح العلمية المنتشرة في ربوع السلطنة، يبدأون في ترصد الوجوه ليبتسموا عند التفات الكاميرا على وجه يبدو مألوفا جدًا: ابن، ابنة، أخ، أخت، ابن عم، ابن الجيران، وهكذا.. يديرون كاميرا هواتفهم الذكية لالتقاط صورة أو مقطع فيديو أثناء نداء اسم الخريج توثيقًا للحظة التخرج ورصدًا لتلك النشوة، نشوة الوصول إلى آخر خطوة من حياة دراسية جامعية لاقى فيها الطالب الكثير من الصعوبات وعاصر فيها الأهل شيئًا من تلك الضغوطات التي مرت على ابنهم، كالابتعاد طوال أيام الأسبوع، والتغيب عن كثير من المناسبات العائلية وغيرها من أجل الالتزام التام بمقتضيات الدراسة. ولكنه في كل مرة يتغلب عليها من أجل طموحاته ومستقبل موعود بالاستقرار المادي والاجتماعي.
يعتد الخريج بفرحته الغامرة تلك بمشاركته أهله وأصدقائه تخليد ذكرى هذا اليوم، ويتلقى العديد من التبريكات والهدايا، مصحوبة بغزير الدعاء بالتوفيق من الله بالوظيفة الراقية والزوجة والأطفال… لكن في خضم كل تلك الفرحة يصطدم الشباب العماني بالواقع الذي يسود البلد عند الانطلاق في مهمة البحث عن وظيفة في جهة حكومية أو خاصة، ليجد الخريج نفسه أمام طابور طويل جدا من المخرجات المتكدسة وقد سبقته، يكاد لا يرى نقطة بداية الطابور ويتوقع أنه لن يكون له نقطة نهاية!
وهو يعلم بأنه إذا استمر العام ولم يجد وظيفة مناسبة، فإنه مع بداية عام آخر سوف تظهر أعداد أخرى من الخريجين الجامعيين يزحفون إلى أبواب الجهات الحكومية والخاصة من أجل الحصول على فرصة عمل، فتبدأ الأفكار المحبطة تتشبع في عقل الباحث عن عمل: كيف سيجابه تحديات المعيشة التي تصبح أصعب يومًا عن يوم وفي ظل الغلاء المتزايد، كلها تفاقم المشكلة وتتسبب في ضغوطات على الشاب وفرصة استقراره وممارسة ما تعلمه وكافح لأجله أعواما.
تحدٍ كبير تواجهه الجهات المعنية وأولها وزارة القوى العاملة، فبعد تفاقم المسألة لسنوات، ضج المجتمع من الباحثين عن العمل من أبنائهم، فهل تكمن المشكلة في طرح تخصصات غير مطلوبة أو مكتفىً منها، أم في خطط غير مدروسة لما يحتاجه السوق من تخصصات، فيزداد الأمر تخبطًا. وكما نعلم فإن المسؤولية تقع على عاتق مختلف الوزارات في البلد، واليوم أصبح الشباب أكثر وعيا بحقوقهم وواجباتهم، فبادر عدد منهم بتنفيذ مبادرات مختلفة تساعد على توفير فرص عمل، وأخرى عملت على رفع كفاءة عدد من الشباب بالتدريب ونشر المعرفة لصقل مواهبهم لتصبح بابا لمصدر رزقهم بمساعدة من عدة جهات معنية بالشباب وغيرها ممن يثق بقدرة وكفاءة الشاب العماني، ولكن هذه المبادرات لن تحل كامل المعضلة، فيجب أن تتضح التعقيدات والمسببات لجميع الأطراف كي يتم بحث الحلول المناسبة.
وهنا أشير إلى الاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى المجتمع والأخذ بالملاحظات المستمرة والتي غالبا لا تجد من يرمي إليها بالاً.
إن استخدام منصات التواصل الحديثة يقلل من الاحتقان الناتج من انعدام الحوار بين المؤسسة وبين المجتمع، لذلك يجب تفعيلها ولكن يجب الانتباه إلى حقيقة أن وجود الحسابات الرسمية وحدها لا تكفي، وإنما بإدارتها من خلال استراتيجية متقنة تطبق المرجو منها. فهذه المنصات أصبحت متنفس للخريج يبث فيها همومه واستياءه في عدد من القضايا التي تهم الشباب وتؤرقهم. ويطول الكلام وتتعدد الوجهات والأساليب لما نجد من مساحات عريضة ومتنوعة للتعبير، حيث ضاق على الخريج من يُسمع من معاناته وتعطله عن العمل لسنوات، مما جعله يقول: خريج لا تكلمني!.

سارة المريخية

Share on Facebook0Tweet about this on TwitterShare on Google+0Email this to someonePrint this page

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*