«التعليم الإيجابي» يواجه تدني دافعية الطالب نحو التعلم

«التعليم الإيجابي» يواجه تدني دافعية الطالب نحو التعلم

الخليج: يشكل التدني في التحصيل وتعثر الطلبة في دراستهم في مرحلة التعليم الأساسي، إحدى القضايا التي تؤرق أولياء الأمور، وتدفع بعضهم إلى اتهام مباشر للمناهج التي ظلت تعتمد على التلقين والحفظ والتفريغ الذي

يخلق الإحباط عند الطالب، بدلاً من الاستيعاب وتنمية المهارات لديه، في عصر يعتمد أساليب متطورة تتماشى مع روحه ومعطياته.

ويعتبر التعليم الأساسي والثانوي، أهم مراحل تكوين المهارات الأساسية لدى الأبناء وإعدادهم للمرحلة الجامعية أو الحياة العملية، حيث أدركت المؤسسات التربوية الحكومية في الدولة أهمية التطوير المستمر للمناهج، الذي ينعكس بشكل إيجابي على التحصيل.
ويدرك المتتبع لمراحل تطور العملية التربوية والتعليمية في الدولة خلال عقد من الزمان مدى الجهود التي بذلت وتبذل في سبيل تثبيت مناهج وطنية ترقى إلى متطلبات تأسيس شخصية الطالب وثقافته وإعداده تربوياً وتعليمياً نحو مرحلة الدراسة الجامعية والحياة العملية التي تتطلب الكثير من المقومات، حيث تركز المناهج الجديدة على إكساب الطلبة معارف علمية ومهارات حديثة وجديدة منطلقة من إدراكها أن المكون البشري أضحى أهم مكونات معادلة التنمية، وأن التعليم هو قنطرة العبور في المجتمع من التخلف إلى التقدم.

«الخليج» استطلعت آراء عدد من المعنيين والتربويين حول هذه الإشكالية من خلال تساؤلات عديدة تركزت حول المناهج وصلتها بالتدني والتعثر وما يعتمل في الميدان التربوي لتجاوز الجمود، وما أنجز من برامج تطوير العملية التربوية والتعليمية والتقنيات الحديثة ومهارات المعلمين، ودور المدرسة والأسرة في بناء شخصية الطالب والمشكلات التربوية والأكاديمية والنفسية التي يمر بها خلال مراحل نموه المختلفة، للنهوض بالعملية التعليمية نحو مخرجات تأخذ في عين الاعتبار متطلبات التطور الذي يشهده المجتمع الإماراتي بآفاقه المستقبلية.إعداد الإنسان

أكد محمد سالم الظاهري، المدير التنفيذي لقطاع العمليات المدرسية في دائرة التعليم والمعرفة، أن المعرفة أصبحت مصدر القوة الحقيقية في أي مجتمع، ولا تتحقق إلا من خلال إعداد الإنسان المبدع القادر على الاستيعاب والإثراء، الأمر الذي دفع الجهات المعنية بالتعليم إلى التخطيط لإحداث نقلة نوعية في العملية التربوية والتعليمية بالدولة، عبر سلسلة من البرامج التطويرية في إطار استراتيجية الوزارة والدائرة التي تهدف إلى التطوير النوعي والتخلص من مشكلات التوسع الكمي، في سعي حثيث لتنمية ثقافة الإبداع والاهتمام بها، وربط التعليم ومضامينه بأهداف التنمية الشاملة، من خلال إعطاء الأولوية لتحقيق الجودة في مجالات المناهج والتقويم وكفايات التدريس.

تلاشي تدريجي للجمود

وقالت الدكتورة كريمة المزروعي، المدير التنفيذي لقطاع التعليم المدرسي والسياسات بالإنابة في دائرة المعرفة والتعليم، إن ما يشار إليه من جمود في المناهج سيأخذ في التلاشي تدريجياً، كنتيجة عملية للجهود المبذولة لتطوير بنية مقررات المرحلة الثانوية وصولاً إلى مبادئ وحدة المعرفة وتكاملها وخلق التوازن بين فروعها المختلفة، مشيرة إلى أن مخرجات التعليم الثانوي ستشهد تحسناً متصاعداً خلال الأعوام القليلة المقبلة، بفضل الجهود الدؤوبة التي يشهدها الميدان، مؤكدة ضرورة أن تستفيد الإدارات المدرسية والمعلمون من برامج التدريب والتأهيل المتواصلة التي تنظمها الدائرة في مختلف المدارس على مستوى الإمارة، بهدف تنمية المهارات لأنها من العوامل المساعدة على صناعة التطور المطلوب والتطبيق الأمثل للمناهج المطورة التي طرحتها الدائرة والتي قيد التنفيذ.

خطة مشتركة

وأشارت الدكتورة سارة السويدي، مديرة إدارة المناهج في دائرة المعرفة والتعليم إلى أن الدائرة تركز في خطتها المشتركة مع وزارة التربية والتعليم، الخاصة بمواجهة تدني مستوى الطلبة، ووضع حد فاصل لعلاج مشكلة ضعف مخرجات التعليم العام، على تحقيق أهداف عديدة منها أن يكون الطالب ملماً بهويته الوطنية وتاريخ وطنه وأمته، إلى جانب معرفته الجيدة باللغات الأجنبية وبدرجة أساسية اللغة الإنجليزية، بحيث يكون ثنائي اللغة، مع التركيز على الرياضيات والعلوم والتربية الصحية والرياضية والفنية وتنمية قدراته على استخدام التقنيات وتعلم أساسيات إدارة الأعمال، والتزود بمهارات المبادرة والريادة من خلال مناهج ومقررات تعليمية متطورة وحديثة، إلى جانب الاهتمام الشديد بالمعلم ومدير المدرسة وتطوير الأبنية والمرافق المدرسية الأخرى كالمكتبات والتقنيات الحديثة ووسائل ممارسة الأنشطة الطلابية حتى تصبح المدرسة بيئة جاذبة للطالب.

أسباب لتدني الدافعية

وأوضح عدد من التربويين في المدارس أن تدني الدافعية نحو التعليم وضعف التحصيل والتأخر الدراسي، تقع على سلم المشكلات التربوية التي يشهدها الميدان، وتعود مصادرها إلى عدة أسباب منها اجتماعية تتعلق بالظروف التي يمر بها بعض الطلبة كانفصال الوالدين أو فقدان أحدهما أو كليهما، والتعلم بالقوة ومجموعة الرفاق، وأسباب تتعلق بالأسرة ونمط التربية السائد كالتسلط والقسوة الزائدة والتحقير والإهانة أو الدلال الزائد، ومنها ما يعود لأسباب تعليمية مثل عدم العدالة في المعاملة داخل الغرفة الصفية وزخم وصعوبة المنهج والشتم والسب والضرب، ومنها ما هو نفسي أو شخصي مثل بعض الأمراض الجسمية والنفسية والشعور بالنقص ومنها ما يتعلق بالبيئة المدرسية ذاتها من رفاق وطلبة ومعلمين وإدارات ومرافق.

الاختصاصي الاجتماعي

وقال عبد الباسط صلاح الدين، اختصاصي اجتماعي، إن تحصيل الطلبة يتأثر بجملة من العوامل والأسباب التي تؤثر فيهم سلباً أو إيجاباً، ومن أهم وأوضح المؤشرات الدالة على تدني التحصيل تكرار الغياب والتأخر عن الدوام المدرسي والهروب من الحصص وضعف الدافعية للتحصيل والتسرب من المدرسة ومخالفة تعليمات وأنظمة المدارس، إضافة إلى أسباب نفسية منها القلق المستمر والخجل والسرحان والعزلة، مشيراً إلى أن العوامل والأسباب تصنف حسب مصادرها إلى جملة من العوامل المتعلقة بالطلبة والمتمثلة في المشكلات التي تتعلق بالحاجات الأساسية للطالب ومدى تلبيتها والإحباط الناتج عن الحرمان والرفض وغيرها والمشكلات الناتجة عن التغيرات التي يمر بها خلال المراحل النمائية المختلفة، وبخاصة مرحلة البلوغ والمراهقة، إضافة إلى الفروق الفردية بين الطلبة وما يندرج تحتها من تفاوت في الذكاء والقدرات والميول والاستعدادات، إلى جانب أسباب تتعلق بالمعلمين كنمط الإدارة الصفية والتعامل مع الطلبة وضعف استخدام عنصر التشجيع والتعزيز، واللجوء إلى استخدام العقاب وعدم مراعاة الفروق الفردية، إضافة إلى مشكلات تتعلق بالمعلم، مثل حدة المزاج والعصبية، وافتقاره إلى مهارات التواصل وطريقة التدريس.

بيئة مدرسية

وأكدت شيخة الزعابي، مديرة مدرسة، أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تدني تحصيل الطالب وتتعلق بالبيئة المدرسية، فضعف جهوزية بعض المدارس من حيث البناء والمرافق الضرورية واللجوء إلى المعلم البديل وضعف قنوات الاتصال والتواصل بين الإدارة المدرسية وبعض المعلمين من جهة، وبين المدرسة وأولياء الأمور من جهة أخرى، بالإضافة إلى العوامل المتعلقة بالأسرة وتشمل المستويين الثقافي والاجتماعي للأسرة، ووضعها الاقتصادي والتفكك الأسري وضعف تعاون أولياء الأمور مع المدرسة ونمط التربية السائد، فيما تعود العوامل والأسباب المتعلقة بالمجتمع إلى تأثير مجموعة الرفاق وتأثير التغيرات السريعة والتكنولوجيا والوضع الاقتصادي.

إرشادات وأساليب وقائية

وأوضح عمر عبدالعزيز، نائب مدير مدرسة خليفة بن زايد الثانوية، أنه من الممكن التغلب على مشكلة التدني في التحصيل الدراسي من خلال معالجة الأسباب المؤدية إليها، مورداً بعض الإرشادات والأساليب الوقائية والعلاجية لزيادة الدافعية وتحسين التحصيل الدراسي خاصة والتعامل مع المشكلات التربوية عامة منها تشجيع الطلاب وتهيئتهم من أجل تحمل الإحباط إذا حصل، وأن يستمع الآباء إلى الأبناء، ودعم محاولاتهم للفهم وتجنب المضايقة والنقد والتهكم تجنباً تاماً، ومكافأة الطالب بشكل علني عند كل تحسن يطرأ على تحصيله الدراسي بتقديم الحوافز القوية له.
وأشار إلى أن حل المشكلة، يتطلب من الجميع مضاعفة الجهود والاهتمام بالمعلمين عبر دورات تدريبية مكثفة لتحسين أدائهم ومهارات الطلاب في التحصيل، لافتاً إلى أن أسباب التدني تأتي نتيجة لضعف دراسي متراكم يحمله الطالب معه منذ سنواته الدراسية الأولى عاماً بعد عام، لذلك يجب الاهتمام بطلبة المرحلة التأسيسية، ومتابعتهم من قبل أولياء الأمور وتوثيق العلاقة بين البيت والمدرسة.وقالت هناء الحمادي، معلمة لغة عربية، إن دائرة المعرفة والتعليم كانت سباقة في مواجهة مشكلة التدني لدى الأبناء، حيث كلفت إدارات المدارس بمن فيها من موجهي المواد التي برزت فيها نسبة الرسوب بشكل ملحوظ، بالوقوف على أسباب الضعف لدى الطلبة ووضع الحلول المناسبة والمقترحات ورفعها إلى الجهة المعنية.

كثافة المادة

وأشارت عالية الشحي، معلمة علوم، إلى أن بعض معلمي المواد يشتكون من كثافة المادة العلمية وخلوها من المعلومة الهادفة، ما أثر في نفسية طلابهم، وأضعف دافعيتهم نحو التعلم، وتحقيق المخرجات المطلوبة ذات المستوى الجيد، والتي تعتمد على التفكير الابداعي والممارسة الحياتية والعملية.
وتباينت نظرة وردود أفعال بعض مديري ومديرات المدارس والمعلمين حول الأسباب الكامنة وراء تدني دافعية التعليم لدى بعض الطلاب، فالبعض يشير إلى أن ذلك يعود إلى عدم رغبتهم في التعلم، وضعف متابعة الأسرة، وعدم تواصلها مع أبنائها، وآخرون يرون أن أسئلة امتحانات بعض المواد كاللغة الانجليزية والرياضيات وعدم وضوحها وقلة تمرس الطلبة على نماذجها بسبب عدم وضوح رؤية المعلمين وعدم تدريبهم على تلك النماذج الجديدة بسبب ضيق الوقت، وكثافة المادة، بالإضافة إلى صعوبة المنهاج وحشوه، إلى جانب جملة من الأسباب الأخرى، أبرزها تكرار غياب بعض الطلاب خلال أيام الدراسة.

برنامج الدعم المدرسي

وأكدت عائشة الشامسي، مديرة ثانوية عائشة بنت أبي بكر، أن الدائرة وضعت أساليب علاجية خاصة لدعم الطلبة ورفع مستواهم الأكاديمي، منها على سبيل المثال برنامج الدعم المدرسي.
وخصصت بعض المدارس من خمس إلى عشر دقائق في بداية كل حصة لمتابعة ومناقشة متدني التحصيل حول أدائهم لواجباتهم، وطباعة تمارين إضافية زيادة على ما هو موجود في كتاب الأعمال التطبيقية لمساعدتهم على تحسين مهاراتهم، ومضاعفة الاختبارات التحريرية لهم أسبوعياً وتشكيل مجموعات تقوية لهم وتدريبهم على أنماط الأسئلة الموجودة في ورقة أسئلة الاختبارات وتفعيل أنشطة اللغة الانجليزية والجلوس مع أولياء أمورهم لإطلاعهم على المستوى الدراسي لأبنائهم وحثهم على إسناد جهود المدرسة، لتحسين مستوى تحصيل الأبناء وتنمية دافعيتهم نحو التعلم والمثابرة في التحصيل.

 

Share on Facebook0Tweet about this on TwitterShare on Google+0Email this to someonePrint this page

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*