الأحد 21 يناير 2018
مؤسسات التعليم العالي وصناعة الأزمات

مؤسسات التعليم العالي وصناعة الأزمات

الرؤية: ما يدور حاليا من حراك حكومي واجتماعي مرتبط بتوظيف الباحثين عن عمل الذين تزايد عددهم في السنوات الأخيرة رغم أنّهم خريجو تخصصات تم إنشاؤها لارتباطها بسوق العمل وحاجاته المتجددة؛ إلا أن ما

ظهر لاحقا في تكدس الخريجين في مجالات أكثر من حاجة ونمو سوق العمل، ونقصها في مجالات رغم نمو طلب سوق العمل، مما يقود إلى طرح سؤال استراتيجي: هل باتت مؤسسات التعليم العالي مصدرا لصناعة الأزمات بدلا من أن تكون جزءا من حلها؟ وقد يكون من المؤسف في ظل تنامي أعداد مؤسسات التعليم العالي أن يطرح السؤال بهذه الصيغة بدلا من أن يطرح بصيغة أخرى وهي دور هذه المؤسسات في قيادة الدولة إلى مواجهة الأزمات المختلفة، وأن تكون جهات رصد وتنبؤ بالأزمات قبل حدوثها، بدلا من أن تكون في آخر القاطرة حين يكون الأمر بالمستقبل ودراساته والتنبؤ الاستراتيجي بمتغيرات وانعكاساته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،

يرى الخبراء في التعليم العالي أنّ هذا التعليم لكي يكون محركا لتحقيق النمو النوعي وحائطًا لصد الأزمات المحتملة يجب أن يقود إلى نشوء ثلاث فئات من الخريجين، هم كالتالي:

  • المهنيون الذين يتميزون بالقدرة على التعامل مع متطلبات سوق الإنتاج وسوق العمل بثقة وجرأة وإبداع
  • العلماء والمهندسون المتميزون في تخصصاتهم الذين يشاد بهم ليس وطنيا إنّما يشاد بهم كعلماء وخبراء في المجتمع المعرفي الإقليمي والعالم في مختلف المجالات.
  • قادة الرأي من مفكرين وفلاسفة ومثقفين في مجالاتهم يكونون نواة لأحداث التغيير الفكري والفلسفي والحضاري للدولة.

هل ساهمت مؤسسات التعليم العالي في تخريج مجموعات مقبولة من هذه الأعداد الكبيرة التي تقدر بالآلاف من الطلبة الذين ينضمون إلى قافلتها التي لا أحد يعرف إلى أين تتجه، هل إلى تحقيق الأمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري للبلد من خلال رفدها بتلك النوعية من الخريجين أم إلى خلق أزمة لا تنتهي عن طريق مضاعفة الفجوة بين ما يعلم وبين ما تمر الدولة والمجتمع من تحولات وأزمات؟ إن الواقع الذي نعايشه منذ ما يقارب من عقدين يشير إلى أنّ مؤسسات التعليم العالي تعد صانع رئيسي في تمر به البلد من أزمة قد يبدو ظاهرها اقتصادي ولكنّها أزمة تخطيط استراتيجي وضعف وعي اجتماعي لم تسهم هذه المؤسسات في التقليل من تأثيراتها وتراكماتها، ولم تعمل على محاصرتها من خلال تقديم تخصصات نوعية، وتدريس ذي جودة، ويحث علمي متقدم وراصد لما يجري من تحولات في مختلف القطاعات، ورغم المؤشرات والشواهد التي تؤكد أنّ مُضي القافلة في نفس الوجهة يضاعف من الأزمة الاقتصادية الحالية، وقد يقود إلى أزمة أخرى مرتبطة بها، إلا أنّ هذه المؤسسات تغاضت عن كل المناشدات الداعية لها إلى الإصلاح والتقييم والتفكير في سياساتها وبرامجها في المصلحة الوطنية العليا.

 إنّه من المستغرب أن توجه سهام النقد إلى مؤسسات التشغيل مثل الخدمة المدنية والقوى العاملة فقط في في تزايد أعداد الخريجين ولا توجه إلى مؤسسات التعليم العالي وهي صانع رئيسي لهذه الأزمة، وذلك من عدة نواح أذكر منها: ضعف مواءمة برامجها وتخصصاتها مع السوق الإقليمي والعالمي في ظل معرفتها بمحدودية السوق المحلي واعتماده على فلسفة واضحة وهي الاستعانة بالعمالة ضعيفة الأجر، ومن ناحية أخرى عدم تجويد برامجها لكي تقود إلى خريجين قادرين على المنافسة، فكثير من الخريجين ينتقدون من مؤسسات الدولة نفسها وظهر في تصريحات أكثر من مسؤول، وينتقدون من رجال الأعمال وأصحاب الشركات، ولذا أتفهم ما قاله لي أحد الخريجين حين رُفِض بعدما تقدم إلى إحدى الوظائف بحجة عدم قدرته على اجتياز اختبارات التوظيف، لماذا يحملوني أنا مسؤولية ذلك ولا يتجهون إلى المؤسسة التعليمية التي خرجتني بهذا المستوى؟ وهو سؤال يطرحه عشرات الخريجين الذين لا يوفقون في الحصول على وظائف داخل البلد، إذن الأزمة تبدأ قبل أن يلتحق الطالب بهذه المؤسسات وليس بعدما يتخرج منها، وإذا قارنت هذا الخريج بثلاثة خريجين لأحد الأصدقاء من دولة عربية يكون الأمر مختلفا حيث نجح الثلاثة في الحصول على وظائف في ثلاث شركات عالمية لها مكاتب إقليمية نظرًا لقدرتهم على اجتياز اختبارات التوظيف وبالتالي لم تؤثر هنا محدودية قدرة قطاعات التوظيف بالدولة على أوضاع الخريجين طالما كانوا قادرين على المنافسة في السوق الإقليمية والعالمية.

إذن السؤال الآن: كيف يمكن أن نحدث تحولا في دور مؤسسات التعليم العالي من صناعة الأزمات إلى الوقاية من الأزمات؟ هذا السؤال يعد منطلقا لإطلاق سياسة إصلاحية عاجلة لمؤسسات التعليم العالي تقود إلى إنجاز بعض الأهداف قصيرة المدى أي خلال الثلاث سنوات المتبقية من عمر رؤية عمان 2020م، بما يقود إلى تغيير في البرامج والتخصصات، وفي نوعية المناهج وطرق التقويم، وربما نحتاج إلى إيجاد جهاز مستقل للرقابة على مؤسسات التعليم العالي، ونزع تداخل المصالح الحالي في مسألة الإدارة والإشراف والترخيص على مؤسسات التعليم العالي، والذي يُصعِّب من مسألة تحسن النوعية، ومن أجل جعل مؤسسات التعليم العالي صانعة للحلول والاستراتيجيات لابد من مؤتمر لاستشراف مستقبل هذه المؤسسات في ظل الواقع الاقتصادي الحالي الذي قاد إلى اتخاذ إجراءات للحد من أزمة كما قاد إلى صناعة أزمات من الأزمة.

خلاصة القول لابد من تدخل وإلا فإن قاطرة التعليم العالي تمضي إلى تعزيز وجود الأزمات الحالية بدلا من التقليل منها، لابد من هذا التدخل؛ لأن صناعة وطن متقدم من الدرجة الأولى لن يتحقق إلا بتعليم قوي، تعليم يعد ليكون الجبهة الرئيسية التي تتحطم عندها كل الأزمات.

د. سيف المعمري

 

Share on Facebook0Tweet about this on TwitterShare on Google+0Email this to someonePrint this page

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*