الأحد 17 ديسمبر 2017
ابتعاث الطلبة للدراسة.. رحلة في آفاق المعرفة

ابتعاث الطلبة للدراسة.. رحلة في آفاق المعرفة

الخليج: باتت فكرة ابتعاث الطلبة للدراسة في عدد من الدول خارج دولة الإمارات؛ سواء في الولايات المتحدة، أو المملكة المتحدة، أو أستراليا، أو دول أخرى، بعد الحصول على شهادة الثانوية العامة، من الأفكار المحبذة

لدى بعض الأهل، حيث تغمر الطلبة المقبولين في البعثات الفرحة للسفر إلى الخارج، لكونهم سيواجهون حياة علمية ودراسية مختلفة عن التي عايشوها طوال مرحلة حياتهم المدرسية، ولكن في الوقت ذاته، سيتعرضون لعدد من الصعوبات والتحديات التي يمكن أن تؤرق حياتهم العلمية، خاصةً خلال السنة الأولى، ومنها: اختلاف عادات البلد وتقاليده، أو القوانين المتبعة، والكثير من المشكلات الأخرى. وفي المُقابل، فقد يعارض بعض الأهل فكرة تغرّب أبنائهم للدراسة في الخارج، حيث يمكنهم أن يكملوا دراسة التخصص المطلوب داخل الجامعات في الدولة، الحكومية أو الخاصة، في ظل وجود عدد كبير من الجامعات، ويعزون ذلك إلى الخوف عليهم من الغربة والعيش بعيداً عنهم، لأن الحياة هناك ستكون مختلفة عن حياتهم معهم داخل الوطن، مشيرين إلى أنه في الغربة يمكن للطلبة أن يتعرفوا إلى رفقاء سوء يدخلون حياتهم ليس للصداقة المزيفة فقط، وإنما للوصول بهم إلى التهلكة، ومن ثم ضياع مستقبلهم العلمي، وفي نهاية المطاف العودة إلى بلدهم متضررين. وفي هذا السياق الحيوي والمهم أكد مديرو جامعات ضرورة تزويد الطلبة المبتعثين بدورات وبرامج تثقيفية قبل السفر، ليحقق ابتعاثهم الغاية العلمية والمعرفية.
أكد الدكتور فاروق حمادة، المستشار الديني في ديوان ولي عهد أبوظبي، مدير جامعة محمد الخامس أبوظبي، على ضرورة الابتعاث إلى مراكز متقدمة في العلم والمعرفة اللذين تسعى إليهما الدول والأوطان التي تتسابق في التميز والصدارة لاختصار الزمن، والإمساك بآخر الإبداعات والابتكارات، وكذلك التمكن من مناهج البحث والمعرفة. مُضيفاً أن المبتعثين غالباً ما يكونون في بداية تطلعهم للحياة، فتجربتهم ليست عميقة ولا أفكارهم ناضجة راجحة، ولا شخصياتهم مطمئنة مستقرة، بل إنهم في أشد مراحل العمر حرجاً، ولهذا فبعضهم لا يلتزمون الطريق الذي تريده لهم قيادتهم، ووطنهم، ولا يستطيعون الصمود أمام متغيرات الحياة والمجتمع التي تواجههم، فإن التفكير في حياتهم وحفظهم لبلوغ الغاية والهدف من ابتعاثهم، هو من أنبل الأعمال والأشغال، لأنه صيانة لأبناء الوطن، وتحقيق الغاية العلمية والمعرفية.
وأكد حمادة، أن أهم ما يمكن أن يصونهم من المخاطر بحسب التجربة والتدبر، هو أن تجرى لهم دورات تدريبية قبل الوصول إلى البلد الذي يقصدونه، ليتعرفوا إلى عاداته وما يتطابق مع عادات وطننا، وما يخالفها، ومعرفة الغاية والهدف الذي يذهبون من أجله، وبذلك يتعرفون إلى خطورة فشلهم، أو تقصيرهم في غايتهم، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية فيهم، وفي أسرهم، ووطنهم، والعيش في مجمعات خاصة بهم، أو مساكن متقاربة بينهم.

وشدّد على أن يكونوا على تواصل دائم بأحداث الوطن وأيامه الغراء، ولا يطيلوا الغياب عنه، ويكون لهم ضمن بعثاتهم برامج ليعودوا إلى الوطن، وليطلعوا على إنجازاته المتلاحقة، وتقدمه في كل الميادين ومعالمه الأخاذة، وألا يغيب عنهم المسؤولون كثيراً والتمكن من زيارتهم مرة بعد مرة، ولو كان عددهم قليلاً أو في مكان بعيد، يجتمعون بهم ويأخذون بأيديهم، ويبينون لهم ما تنتظره منهم القيادة الرشيدة، والوطن، من تفوق ونجاح.
وقال: إن إحاطة المبتعثين بسياج العناية والمتابعة والتواصل الدائم يجنّبهم المخاطر وهم في سن حرجة، هي نزاعة لكل الاحتمالات والمسالك، فقديماً قالوا: «الشباب شعبة من الجنون»، إنهم معقد آمال القيادة والوطن، وقوة مستقبله، فالبذل للحفاظ عليهم أسوياء نابغين، يهون مهما بلغ، وهذا الذي تقوم به القيادة الرشيدة لتسديدهم وفتح آفاق النجاح أمامهم.
«الخليج» التقت عدداً من مديري الجامعات، للاطلاع على آرائهم في التحديات التي يمكن أن يواجهها الطلبة الدارسون خارج الدولة، وطرح مقترحات يمكن من خلالها تفادي تلك المشكلات:
قالت الدكتورة فاطمة الشامسي، نائبة المدير للشؤون الإدارية في جامعة باريس السوربون – أبوظبي، إن أبرز الصعوبات التي تواجه الطلاب في الغربة تتمثل بالإحساس بالغربة في بيئة غير مألوفة بالنسبة إليهم، خاصة إذا كانت التجربة الأولى لهم، وزيادة الحنين إلى الوطن، أو ما يطلق عليه ال«Home Sick
»، حين يكون المبتعث بمفرده، وفي مدينة لا توجد فيها جالية عربية، ما يزيد من إحساسه بالاختلاف والتباين الكبير في العادات والممارسات العقائدية والاجتماعية. لافتة إلى أن «ما يكون مقبولاً في هذه المجتمعات من عادات وسلوكات، قد تكون غير مقبولة، أو مألوفة في المجتمعات العربية، والعكس صحيح». وأضافت، «يواجه المبتعث إحساساً بنوع من الصدمة التي قد تدفعه إلى الانزواء والرهبة من التعامل مع الآخرين، أو الاندفاع غير العادي للتقليد، وليثبت أنه متحرر ومتطور بمقاييس المجتمع الذي يكون فيه، قد يفقد بوصلته، ويقع في الكثير من المشكلات التي ستؤثر سلباً في حياته المُستقبلية، كما أنه من المُمكن أن يلجأ إلى بعض الجماعات التي عادة ما تنشط في بعض تلك الدول، وتكون ذات توجهات متزمتة تستقطبه باسم الدين، أو مسميات أخرى مختلفة، ويمكن أن تسبب له مشكلات هو في غنى عنها».
وأكدت د.الشامسي، أنه يمكن التخفيف من حدة المشكلات، ببرامج تثقيفية مكثفة تقدم للطلبة قبل المغادرة تتناول جميع الجوانب المالية، والاجتماعية، والسلوكية، وفيها يمكن الاستعانة بالطلبة القدامى، ليتحدثوا عن تجاربهم السابقة، وينقلوا المواقف التي مروا بها، كما يمكن توفير كتيبات توزع على المبتعثين، وتشمل معلومات أساسية عن البلد، والمدينة التي سيذهبون إليها، فضلاً عن أن يكون هناك اهتمام خاص بشريحة الطلبة الذين لم يسبق لهم السفر إلى الخارج بمفردهم، أو حتى بصحبة العائلة، فهم بحاجة إلى برامج تثقيفية مكثفة تتناول مختلف الجوانب.
برامج بديلة
وقال الدكتور رياض المهيدب، مُدير جامعة زايد، في وقتنا كانت التجربة مشوقة، وتحدياً كبيراً، لعدم وجود البدائل داخل الإمارات، فكل منا عقد العزم على أن يكمل الدراسة ومشاريع الحياة، ولم يلتفت إلى المشكلات الصغيرة التي قد تواجهه نسبة إلى الهدف الأكبر الذي نطمح جميعنا للحصول عليه، وهو «الشهادة الجامعية»، حيث إن أغلبية الطلبة المبتعثين للخارج أكملوا دراستهم وعادوا إلى الدولة.
وأضاف «في الوقت الحالي، وبوجود البدائل لأغلبية البرامج الدراسية داخل الدولة، قد يكون هنالك حافز فقط للبرامج غير المطروحة ضمن جامعات الدولة، أو عندما يكون نوع البرنامج خارج الدولة مميزاً إلى درجة يستطيع خلالها المبتعث تحمل الغربة، وترك الأهل والبيئة المحببة التي نشأ فيها داخل الدولة». مُشيراً إلى أنه «بالرغم من ذلك لا تزال روح التحدي موجودة، ويُعتقد بأن الكثير من الطلبة المتفوقين يحبذون تحدي الدراسة في الخارج».
بداية جديدة

وفي الإطار نفسه، التقت «الخليج» عدداً من الطلبة للتعرف إلى التجارب التي خاضوها، والتحديات والصعوبات التي تعرضوا لها، خلال مرحلة الدراسة الأكاديمية في الخارج، والتطرق إلى بعض الحلول أو المقترحات التي يمكنها أن تساعدهم في تخطى وتجاوز تلك المرحلة الصعبة بالنسبة للبعض.
قالت الطالبة خلود الجابري، «عندما يقبل الطلبة في البعثات الخارجية يشعرون بالفرحة والسعادة، بغضّ النظر عن التحديات والصعوبات التي سيواجهونها، والطرق التي يمكنهم بها تجنب تلك المشكلات، أو التغلب عليها»، لافتةً إلى أن «معظم المشكلات تبدأ خلال السنة الدراسية الأولى لهم، حيث إنها تكون بداية جديدة للطالب، فالمشكلات التي يتعرض لها البعض تكمن في اختلاف الثقافات والحضارات، عبر العادات والتقاليد والحياة المعيشية».
وأوضح مصطفى العسماوي، طالب هندسة ميكانيكية في جامعة توكاي في اليابان، أن التجربة التي خاضها في دراسة تخصص هندسة ميكانيكية، وبلغة هذا البلد، كانت مختلفة، وأحد التحديات الكبيرة بالنسبة له، فهو أمضى سنة ونصف السنة يتعلم اللغة، ضمن نظام يستغرق 6 ساعات في اليوم الواحد، لافتاً إلى أنه خلال تلك الفترة بدأ التقديم على التخصصات الأكاديمية المطروحة في الجامعة، وجاء اختياره للدراسة باللغة اليابانية بعد إصراره على أن يكون متميزاً، وحتى يتمكن من التواصل مع أفراد البلد، وزملائه في الجامعة بسهولة في الوقت نفسه، ولتصبح الدراسة سهلة نوعاً ما بالنسبة له، وليصبح من الذين يتقنون عدة لغات، إلى جانب اللغة العربية «اللغة الأم» واللغة الإنجليزية.
وأضاف، أن الدراسة في اليابان تساعد في بناء جسور التواصل بين دولتي الإمارات واليابان، وعبر تجربته الدراسية هناك، فإنه يشجع الطلبة في الدولة على الالتحاق بالجامعات اليابانية وعدم التخوف من حاجز تعلم اللغة الذي يعد صعباً في المرحلة الأولى، لكنه يتحول إلى شيء سهل المنال تدريجياً، فضلاً عن إيصال الانطباع الصحيح عن العرب في الدول الآسيوية، وإظهار الصورة الحقيقية عن العادات والتقاليد في دولة الإمارات.
اكتشاف النفس
وقال الطالب فهد حسن البريكي، سنة رابعة في جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة، «إن الابتعاث إلى الخارج هو من أصعب الاختيارات التي يتخذها الطلبة في حياتهم، سواء وقع الاختيار على قارة إفريقيا، أو الأمريكيتين، لأن الابتعاد عن الوطن يظل أمراً صعباً، فهناك الكثير من المواقف الحياتية المختلفة التي لا يعيشها إلا المبتعث». مضيفاً «في أول يوم يقضيه الطالب تبدأ رحلة جديدة في اكتشاف النفس ومعرفتها، حيث إن الوصول إلى العيش في مكان جديد يشبه ولادة حياة جديدة، ويجب على الطلبة في هذه الحالة تعلم أسلوب حياة جديدة يليق بالمجتمع الذي يعيش فيه، وهذا أمر صعب، لأن الكثير يعدّ بعده عن أهله هو فرصة لحرية في التصرف قد تكون خاطئة في الكثير من الأحيان».فاروق حمادة: إحاطة المبتعثين بسياج العناية والمتابعة
أكد الدكتور فاروق حمادة، المستشار الديني في ديوان ولي عهد أبوظبي، مدير جامعة محمد الخامس أبوظبي، على ضرورة الابتعاث إلى مراكز متقدمة في العلم والمعرفة اللذين تسعى إليهما الدول والأوطان التي تتسابق في التميز والصدارة لاختصار الزمن، والإمساك بآخر الإبداعات والابتكارات، وكذلك التمكن من مناهج البحث والمعرفة. مُضيفاً أن المبتعثين غالباً ما يكونون في بداية تطلعهم للحياة، فتجربتهم ليست عميقة ولا أفكارهم ناضجة راجحة، ولا شخصياتهم مطمئنة مستقرة، بل إنهم في أشد مراحل العمر حرجاً، ولهذا فبعضهم لا يلتزمون الطريق الذي تريده لهم قيادتهم، ووطنهم، ولا يستطيعون الصمود أمام متغيرات الحياة والمجتمع التي تواجههم، فإن التفكير في حياتهم وحفظهم لبلوغ الغاية والهدف من ابتعاثهم، هو من أنبل الأعمال والأشغال، لأنه صيانة لأبناء الوطن، وتحقيق الغاية العلمية والمعرفية.
وأكد حمادة، أن أهم ما يمكن أن يصونهم من المخاطر بحسب التجربة والتدبر، هو أن تجرى لهم دورات تدريبية قبل الوصول إلى البلد الذي يقصدونه، ليتعرفوا إلى عاداته وما يتطابق مع عادات وطننا، وما يخالفها، ومعرفة الغاية والهدف الذي يذهبون من أجله، وبذلك يتعرفون إلى خطورة فشلهم، أو تقصيرهم في غايتهم، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية فيهم، وفي أسرهم، ووطنهم، والعيش في مجمعات خاصة بهم، أو مساكن متقاربة بينهم.
وشدّد على أن يكونوا على تواصل دائم بأحداث الوطن وأيامه الغراء، ولا يطيلوا الغياب عنه، ويكون لهم ضمن بعثاتهم برامج ليعودوا إلى الوطن، وليطلعوا على إنجازاته المتلاحقة، وتقدمه في كل الميادين ومعالمه الأخاذة، وألا يغيب عنهم المسؤولون كثيراً والتمكن من زيارتهم مرة بعد مرة، ولو كان عددهم قليلاً أو في مكان بعيد، يجتمعون بهم ويأخذون بأيديهم، ويبينون لهم ما تنتظره منهم القيادة الرشيدة، والوطن، من تفوق ونجاح.
وقال: إن إحاطة المبتعثين بسياج العناية والمتابعة والتواصل الدائم يجنّبهم المخاطر وهم في سن حرجة، هي نزاعة لكل الاحتمالات والمسالك، فقديماً قالوا: «الشباب شعبة من الجنون»، إنهم معقد آمال القيادة والوطن، وقوة مستقبله، فالبذل للحفاظ عليهم أسوياء نابغين، يهون مهما بلغ، وهذا الذي تقوم به القيادة الرشيدة لتسديدهم وفتح آفاق النجاح أمامهم.

 

Share on Facebook0Tweet about this on TwitterShare on Google+0Email this to someonePrint this page

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*