اخر الاخبار
الرئيسية / تربويات / إعلام عربي / خطاب إصلاح التعليم في الأردن: انعدام المعنى، وانتحار أفلاطون
خطاب إصلاح التعليم في الأردن: انعدام المعنى، وانتحار أفلاطون

خطاب إصلاح التعليم في الأردن: انعدام المعنى، وانتحار أفلاطون

القدس: هناك ما هو أسوأ، بامتياز من واقع التعليم في البلاد العربيّة ومنها الأردن كمثال سأطرحه لمعرفتي بأزمات التعليم فيه عن قرب. الأسوأ من هذا الواقع هو الحديث عن ضرورة إصلاحه حديثاً مزيفاً في

الدوافع، جباناً في التناول، عامّاً فضفاضاً في المضمون. للأسف، فإنّ إصلاح التعليم لم يعد أكثر من شعار فارغ تستخدمه السلطة أحياناً بغية تجميل صورتها، أو يستخدمه ‘القلقون’ على مستقبل التعليم (في الصحافة والندوات والمؤتمرات) وقد سكنهم الخوف والرغبة في المحافظة على مسافة أمان مع السلطة بكلّ أشكالها؛ السياسية والدينية والاجتماعية، بقدر ما سكنهم تقاعس غريب أو عجز رهيب عن الدقّة والتفصيل التي يفترض أنّها جوهر كل ما يخصّ العلم والتعليم. 

ما هو فادح حقا عدد الجمل عديمة المعنى التي تعبّئ خطاب الدعوة إلى إصلاح التعليم، إلى درجة تنذر بأنّ محاولات الإصلاح قد تنتج أجيالاً جديدة من ‘النخب’ تتحدث هي الأخرى عن الإصلاح وهي لا تملك جرأة التعبير عن الحقيقة لأنّها لا تعرفها أصلاً، وتستنفد كل طاقة (بدل التفكير في المشكلة) في صياغة جمل إنشائية عامّة لا تفعل شيئاً سوى تعبئة فراغ الوقت في الندوات أو الأسطر في الصحف. 

لقد عاد مؤخراً إلى الظهور في الأردن شعار ينادي بضرورة ‘التفكير النقديّ بدل التلقين’، في ما يخصّ التعليم، تواطأت عليه السلطة السياسيّة مع ‘الخبراء والمختصّين’ الداعين إلى الإصلاح. تواطؤ على كلام عامّ فضفاض لا يعني شيئاً: ما هو التفكير النقدي وما الذي لا بدّ من نقده أصلاً؟ وهل يحتمل المنادون به نقداً حقيقيّاً لكلّ سائد شائع مهما كان؟ هل سيحتملون نتائج ‘التفكير النقدي’ على حياتهم وسلطاتهم ويقينياتهم الراسخة؟ الأزمة أنّ هؤلاء هم أنفسهم من يدعون إلى تغيير للمناهج تغييراً يثبّت مفاهيم ومبادئ لا تحتمل النقد عندهم، فعن أيّ تفكير يتحدّثون؟ ألم يسمعوا في حياتهم عن أنّ أيّ توفيقيّة هي نفي للفكر إذا ما كانت مبدأ مسبقاً أو غاية جاهزة تحوّل أي خطاب تعليميّ إلى أيديولوجيا تبعده عن معناه؟ ثم ما الذي يقصدونه بالابتعاد عن التلقين، إذا كان كلّ تعليم في الدنيا يتطلّب تلقين قدر معيّن من المعرفة لا بدّ من دراسته (حدّ الحفظ أحياناً) قبل نقده؟ 

الوضع كارثيّ. في الأسبوع الماضي وحده ظهرت عدّة مقالات وتحقيق صحافي في الصحافة الأردنيّة تتطرّق إلى الموضوع. منها مقال عنوانه ‘الشعب يريد تغيير المناهج’، والعنوان وحده يشي بحجم الدمار الذي أصاب الثقافة في الأردن إذ أصبحت قضيّة بالغةُ الحساسيّة وحاسمة في حاضر ثقافة ومستقبلها قابلةً لأن يسعها شعار على هذا القدر من الابتذال. ربّما لا بأس كثيراً في أن تتناول الصحافة موضوعاً كهذا، رغم أنّ الأصل فيها أن تكون محض امتداد إعلامي لمشروع ما، لا أصلاً وأساساً للتنظير والإفتاء فيه. في المقال المذكور المتحدّث باسم إرادة الشعب، لغةٌ طافحة بالعبارات المستهلكة يربطها رابط متسرّع عجيب، من مثل ‘اعتماد مبدأ التلقين’، ‘قتل التفكير الإبداعيّ’، ‘لا بدّ من ثورة في المناهج’، فهي ‘تكرّس ثقافة رفض الآخر’، ولا تستجيب ‘للمبادئ التي يقوم عليها البلد’ مثل ‘زرع الانتماء الحقيقي والصادق’ و’القضاء على التعصّب’. كليشيهات وفوضى تعزّز السمعة السيئة للصحافة، كما تتجلّى في اللهجات العامّيّة: ‘كلام جرائد’. فهو مجرد كلام لم يصبر صاحبه فيسأل عمّا يريده الشعب حقّاً، ولماذا قد يريده، وعن كيف تُخلق الرغبات أصلاً، وعن علاقة المعرفة التي يعتقد الشعب أنّه يحتاجها بمصالح السلطة، التي تفسر لماذا لا يحتمل ثورة حقيقة في المناهج تهدّد مثلاً أعرافه الاجتماعيّة، بل هي حتماً ستخلخل مفاهيم الولاء والانتماء التي يدعو إليها المقال، ثمّ ما الذي، بحقّ السماء، يعنيه المقال بـ’الانتماء الحقيقي الصادق’؟ ما الحقيقة وما الصدق وما الانتماء المقصود الذي يفترض بالتعليم أن يرسّخه؟ انتماء قطريّ أم قوميّ أم أُمميّ أم ماذا؟ ومن الذي قال إنّ على التعليم أن يتدخّل في مسائل إشكاليّة كالهويّة؟ ما الذي يبقى من التفكير النقديّ إذا كان على التعليم أن يحدّد الطالب في إطار مسبق يخصّ حياته كلّها؟ من ‘الآخر’ الذي يفترض أن يفهم الطالب أنّه ‘آخر’؟ وكم من غاية تسبق ‘القضاء على التعصّب’ ينبغي التطرّق إليها قبل هذه النتائج؟ للأسف، فإنّ هذا المقال نفسه هو أحد أكبر الشواهد على كوارث التعليم في الأردن، حيث كلّ المفاهيم، كالآخر والحقيقة والصدق والتفكير والإبداع والهويّة والوطنيّة والولاء، مجرد كلمات غير مفكّر في معناها وفي تاريخها الفلسفيّ والسياسيّ بالغ التعقيد. وإذا كان الداعون إلى إصلاح التعليم على هذا المستوى من انعدام الثقافة والفكر والجرأة، فالأفضل أن يبقى كما هو بدل أن ‘يصلَح’ فيتغيّر نحو الأسوأ. 

الكوارث نفسها حاضرة في تحقيق صحافيّ طويل أجرته إحدى الصحف الأردنيّة حول المنهاج المدرسي في الأردنّ، وأزمة ‘اعتماده على الحشو والتلقين’. يحفل أوّل سطر من التحقيق بخطأ في اللغة، في مفارقة مذهلة إذ تقول الجملة التي نُصب فيها خبر أنّ، إنّ القائمين على الصحيفة يؤمنون ‘بأنّ العمل الإعلاميّ عملاً تعليميّاً’: ‘عملٌ’ يعلّم الخطأ كما يبدو! لكنّ الخطأ هذا لا يساوي في فداحته شيئاً من الآراء التي تعارض كلّها الحشو والتلقين، رغم أنّها كلّها محشوّة بما يبدو أنّه نتاج ‘تلقين’ طويل قاسٍ للجمل الإنشائيّة نفسها. ومن عجائب ‘الخبراء’ و’التربويّين’ و’المختصّين’ و’الأكاديميّين’ الواردة اقتراحاتهم في التحقيق، مطالبتهم بمناهج ‘تعزّز السلوك الإيجابي’. لا أفهم كيف لأحد أن يقترب من التعليم وتبقى لديه الجرأة (وربّما الوقاحة) على افتراض معنى واحد للإيجاب والسلب في ما يخصّ مسألة معقدّة كالأخلاق، والمطالبة بنظام سلوكيّ غير مفكّر في شكله وشروطه وغاياته. هل المهمّ فعلاً أيّ نظام مهما كان ما دام ينبذ العنف ويُطَمئن بال السلطة؟ من العبارات العبقريّة المكرّرة أيضاً في المقالات والتحقيقات: ‘تعزيز الثقافة الوطنيّة’. حقّاً ليست لديّ أيّ قدرة على اكتشاف أو اختراع مضمون لهذه العبارة. كيف تُعزّز ثقافة ما وما المقصود بالوطنيّة، ولماذا لا بدّ من تعزيزها وعن ماذا أصلاً يتحدّثون؟ عن لا شيء، أبداً، عن لا شيء. 

عجائب أخرى: لا بدّ كما يقولون من مراجعة للمناهج ‘تتلاءم مع القدرات والاحتياجات النفسيّة والعقليّة للطلبة’. كان أفلاطون لينتحر لو سمع أنّ على التعليم أن ‘يتلاءم مع حاجات’ وهو من رأى أن كلّ وظيفة المعرفة والتعليم هي تغيير الرغبات نحو أن تشتهي الضوء خارج الكهف، بدل الظلال المزيّفة. يطالبون بـ’مراجعة حقيقيّة’ وبـ’وضع آليّة’؟ أيّ آليّة تلك التي تتجاهل آليّات صناعة العبيد في مؤسسات التعليم خدمة للسلطة، كما وصفتُ الأمر في مقال سابق؟ المطالبون بـ’مراجعة حقيقة’، يعترضون على ‘غياب مناهج التربية الوطنيّة المرسّخة للوعي والمفاهيم الوطنيّة’، إذاً فهُم أبواق لما تريد السلطة تلقينه لا أكثر، ولا يريدون مراجعة حقيقيّة أبداً. لذا يظهرون انعداماً كاملاً للجرأة يفسد أيّ خطاب إصلاحي في الدنيا، والأهم، يُتوفّى في خطابهم كلّ معنى أو مضمون، إلاّ إذا كنت أقلّ ذكاء من أن أفهم معنى ‘الوعي الوطني’ وما هي ‘المفاهيم الوطنيّة’ المتفّق عليها علميّاً ومعرفيّاً وتدخل في ‘التفكير النقدي’ ‘البعيد عن التلقين’، الذي لن يفضي، مهما كان ‘نقديّاً’، إلاّ إلى اعتناق هذه المفاهيم التي ترضي السلطة. ليس هذا خطاباً إصلاحيّاً، بل دعوة صريحة مشوّهة إلى المزيد من التجهيل. خطاب يدعو إلى ‘بناء المعرفة على أساس التفكير التحليليّ’ من أجل ‘إعداد شخصيّة واعية’. واعية بماذا ولماذا؟ وعن أيّ ‘تفكير تحليلي’ يتحدّثون وما هي ‘المهارات’ التي يدعون إلى صقلها، وما هي ‘الحاجات النفسيّة لعمليّة التعلّم والتعليم’ وما معنى ‘الثقافة النفسيّة والاجتماعيّة’؛ ما معنى كلّ هذا ‘الحشو’ الذي غايته المسبقة، مرّة أخرى، ‘تعزيز الثقافة الوطنيّة’ و’منظومة القيم الوطنيّة’؟ عن ماذا يتحدّثون؟ هذه جرائم في حقّ الفكر والتفكير والعلم والتعليم، إذ هو خطاب يحفل بالمغالطات أكثر مما تحفل بها المناهج الدراسيّة التي ينتقدون.

‘خبير’ يقول إنّ المنهاج لا بدّ أن يتّسم بالـ’عمق’، ولأن يستند إلى ‘التكامل بين مؤسسات المجتمع والإفادة من التكنولوجيا وتدفق المعلومات والتراث الحضاري … ‘. ما المقصود بـ’التراث الحضاري’ هنا؟ هل هناك تراث واحد متفّق عليه أصلاً بعيداً عن الأيديولوجيّات وتفصيلها للتراث حسب مصالحها؟ هل تجرؤ أي مؤسسة تعليمية على تدريس فكر الرازي وابن الراوندي وجابر بن حيّان وحنين بن إسحاق وابن المقفع والورّاق والمعرّي وأبي نواس، المطرودين من هذا التراث منذ زمن بعيد؟ أحد العباقرة في التحقيق نفسه لا يرى كثير فائدة في التراث أصلاً، إذ قال إنّ مشكلة المناهج هي في كونها ‘تتحدّث عن العصور الوسطى’، ‘مطالباً أن يكون هناك تحديث وتطوير للمواد الإنسانيّة لتعكس الواقع الحالي والمستقبلي للأوطان والبلاد’.

يبدو أنّ الـ’تكامل’ الحقيقي الخلاب هو حقّاً بين ‘الخبراء’ في صياغتهم لخطاب متوحّد في السطحية والخوف واسترضاء السلطة. العبارة التالية بالغة الدلالة: تتحدّث عن ‘ضرورة أن تتضمّن المناهج مرتكزات أساسية لبناء ثقافة وطنية فاعلة ومؤثرة في الطلبة توجه سلوكهم نحو حب الوطن والقيادة، إذْ تفتقر المناهج الحالية إلى منظومات الثقافة الوطنيّة’. خبير آخر دعا إلى ‘إعادة بناء مناهج دراسية ومنظومة قيم مجتمعية تكون هذه المناهج لنا ولمجتمعنا نحن وليس لغيرنا ترتبط بالدين والقيم الإنسانية والاجتماعية و’الوطن’. كلّ هذا الحشو الفوضويّ الفارغ من أيّ محتوى فكري، ثم يتحدثون عن مشكلة التلقين وغياب التفكير النقدي؟ يشتكون بأنّ المناهج ‘فُرّغت من محتواها الوطني والديني’. ألم يقرؤوا المناهج أبداً فيروا إلى أيّ حدّ هي غارقة في أيديولوجيات ‘وطنيّة’ و’دينية’، أمّ إنّ هناك رغبة بتغيير المفهومين استجابة لغايات مستحدثة لدى السلطة التي توسّع الوطن أو تضيّقه متى شاءت، كما تستغل الدين ويستغلها، والضحية هي أبداً المعرفة وطلابها؟ ثم لماذا ‘الخبراء’ إذا كانوا يعيدون ما ‘أجمع عليه أولياء الأمور’ كما في التحقيق من ضرورة ‘تعميق الثقافة الدينيّة في الكتاب بقصص ومواضيع تلبي روح العصر والثقافة السائدة’. تفكير نقديّ، ونبذ للتلقين، في نفس الخطاب الذي يريد أن ‘يعمّق’ ثقافة ما سائدة. هذا، بكلّ صدق، عبث فاجر بالفكر والمنطق والمفاهيم أي، ببساطة، بجوهر التعليم. 

إنّ ‘الخبراء’ الذين ينتقدون ‘الخمول والعجز والتقليد والتبعيّة’، يدعون في الجملة نفسها، نفسها، إلى ‘غرس مفاهيم للمحافظة على القيم المحمودة’. كيف تتجاور الدعوة إلى نبذ التقليد والخمول والدعوة إلى غرس أي شيء غير الفضول المعرفيّ في العبارة ذاتها؟ ماذا لو رفض الطالب، باسم ‘نبذ التلقين’، ما يريدون غرسه من قيم؟ يقولون إنّ المناهج لا توجد فيها ‘روح العلم’، ثمّ بعد حرفين، يحدّدون الدور المنشود للعلم في ‘البناء التربوي والعلمي والديني والوطني’ و’إيجاد المواطن الصالح’ و’إعداد الإنسان الأردني المتمتع بحسّ المواطنة والانتماء’ من خلال ‘تطوير مناهج التربية الإسلامية وتعلم التلاوة والتجويد للقرآن الكريم والتربية الوطنية وغيرها’. للعلم ‘روح’ موجودة في مكانين لا أكثر عندهم، وهم نفسهم من يريدون للمدارس أن تنتج طلاباً غير متعصّبين، بعد أن تفهمهم أن روح العلم فيما تفهمهم إياه من الدين ومن الوطن. الكارثة أنّ في الجمل نفسها حديث عن ‘التفكير الحرّ’، ولا أدري ما الذي يبقى من التفكير أو من الحرّيّة بعد كلّ هذا سوى ظلال مزيّفة أراد أفلاطون، مؤسس الأكاديميا، من التعليم أن يحرف أجساد طلاّبه عنها فيرغبوا بالخروج من الكهف نحو شيء من الضوء، شيء من الحقيقة.

‘ كاتبة اردنية

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on LinkedInShare on Google+Email this to someonePrint this page