“التعلم البنائي”.. خطوة في طريق المستقبل

Views: 61

الرؤية: طلاب اليوم يختلفون عن الطلاب قبل عشر سنوات؛ فقد تغيَّرت الحياة بصورة كبيرة، وأصبح أبناؤنا على معرفة ودراية بالعديد من المعارف والمعلومات التي ترسَّخت في أذهانهم؛ نتيجة للتواصل مع العديد من قنوات المعرفة، والتي ساهمت -بدرجة كبيرة- في أحداث انتقال معرفي لهؤلاء الطلاب بطريقة غير مباشرة؛ فأصبحتْ معارفهم مُتنوعة وشاملة في مُختلف جوانب الحياة؛ حيث ساهم التطور التقني بكافة أشكاله -بدءًا من الأجهزة الحاسوبية وعالم الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والأجهزة الذكية، والقنوات العلمية والثقافية والقنوات الخاصة بالأطفال، ومحركات البحث العلمية والثقافية- إضافة إلى دَوْر الأسرة المثقفة، والتغيرات التي شهدها المجتمع، وأدوار المؤسسات الاجتماعية، كما ساهمت تلك الشاشة الصغيرة التي يحملها الطفل في جيبه بإظهار العالم صغيرًا بحُكم سهولة التواصل والتعرف عليه، كلها عوامل كان لها دَوْر كبير في انتقال المعرفة للطلاب.. هذا كله يفنِّد قضية المعرفة، وكيفية التعامل معها مع هؤلاء الطلاب في المدارس.

وبما أنَّ العملية التعليمية تهدفُ لإيجاد القوة البشرية القادرة على العطاء والمشاركة في مسيرة البناء الاقتصادي، ومُواكبة التطورات والمستجدات العالمية في مختلف مجالات الحياة، وتلبية سوق العمل من الأيدي العاملة الماهرة؛ لذا فإنَّ هذا الهدف يُعد من أساسيات العمل التربوي؛ وعليه فإنَّ العملية التدريسية يتوجَّب عليها النظر للطالب؛ من خلال ما يحدث في هذا العالم من متغيِّرات، والنظرة إلى أنَّه يمتلك قدرات عقلية ومعرفية تمكنه من الاعتماد على ذاته في بناء المعرفة والتعلم واكتساب المهارات التي تساهم في صياغة شخصيته الفكرية والعقلية، والتي تمكنه من تحقيق الأهداف والغايات الوطنية العليا؛ إذ لم تعد تلك النظرة السلبية للمتعلم بأنه وعاء فارغ يتوجب مَلْؤُه بالمعارف والمعلومات التي يتضمَّنها المنهاج ويلقيها المعلم في الموقف الصفي، وإنما يمتلكُ من القدرات العقلية والمهارية ما يُمكنه من التعلم، خاصة وأنَّ هناك العديدَ من النظريات الحديثة التي أكَّدت ذلك؛ ومن بين النظريات الحديثة التي تُؤكد قدرات المتعلم العقلية والفكرية ما يُمكِّنه من الاعتماد على نفسه في التعلم: “النظرية البنائية” التي ظهرتْ في الرُّبع الأخير من القرن العشرين، على أيدي مجموعة من المنظِّرين، ولكنها كفكر ليست وليدة اليوم؛ حيث يُمكن قراءة أفكارها في كتابات سقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس، وأعمالهم عند حديثهم عن المعرفة.

لذا؛ فالبنائية هي عملية تنظيم التعلم على النحو الذي يتمكَّن المتعلم من خلاله من تكوين المعرفة بنفسه؛ وذلك من خلال مواقف تعليمية تُثير تفكيره؛ مما يؤدي لإثارة بنيته المعرفية وتحفيزه لبذل نشاط مقصود للمواءمة بين المعرفة السابقة والمعرفة الجديدة في مواقف التعلم، وعن طريق توجيه وإرشاده للوصول إلى حل للمشكلة المطروحة مع الاهتمام بتوسيع المعرفة المكتسبة عن طريق التدريب على التطبيقات المرتبطة بمعرفته الجديدة، هذا الفكر التربوي الجديد بدأت العديد من دول العالم المتقدِّم العمل على توظيفه في مدارسهم، وأثبتت العديد من الدراسات -التي أُجريت على نطاق متخصِّص- مَدَى نجاحه في بناء الشخصية القادرة على الاعتماد على الذات في التعلم، وهذا يُعد النخبة في عملية التعلم عندما يعتمد المتعلم على نفسه في بناء معرفته؛ لأنه من خلال التعامل مع المعرفة يكتسب العديد من المهارات ويطوِّر من قدراته العقلية ليُصبح أكثر مقدرة على التفكير ومعالجة المواقف المحيرة التي تصادفه مما يدفعه ذلك للإبداع والابتكار. هذا الأمر دفعني لإجراء ثلاث دراسات بحثية؛ تم تحكيمها ونشرها في مجلات علمية برفقة الدكتور سيف بن ناصر المعمري أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس، بدءًا من دراسة بعنوان “مُعتقدات معلمي الدراسات الاجتماعية نحو مبادئ النظرية البنائية في مدراس السلطنة”، والتي عُرضت في مؤتمر دولي عُقد عام 2011م بجامعة السلطان قابوس، وتم تحكيم الدراسة ونشرها في مجلة علمية، وأثبتتْ الدراسة أنَّ المعلمين يعتقدون بدرجة كبيرة بمستوى 4.20، على أهمية توظيف التعلم البنائي في التعليم بسلطنة عمان؛ مما يدلُّ على الرغبة الأكيدة منهم في المشاركة في تطوير التعليم؛ مما دفعني إلى مُلاحظة أداء المعلمين في الحقل التربوي والتعرف على مدى توظيفهم للتعلم البنائي في الموقف الصفي؛ من خلال تطبيق دراسة بعنوان “مدى توظيف معلمي الدراسات الاجتماعية لمبادئ النظرية البنائية في التدريس بسلطنة عُمان”، وأثبتت نتائج الدراسة أنَّ مُستوى التوظيف مُنخفض ولا يتعدى الـ2.5 على مقياس خُماسي، ومعظم ما يُوظفه المعلمون كان يعتمد بدرجة كبيرة على أدائهم في الموقف الصفي أكثر من الطالب الذي يحصل على المعرفة بصورة جاهزة؛ مما يُقلِّل من نسبة مشاركته بالتعلم، وهذا يتعارض مع مبادئ نظرية التعلم البنائي، وقد نُشرت الدراسة في المجلة التربوية لجامعة القاهرة عام 2012م، ونتيجة لما أثبتته هذه الدراسة والدراسة السابقة حول معتقدات المعلمين والتي كانت إيجابية كان هناك التساؤل الذي يطرح نفسه: ما هي المعوقات التي تواجه المعلمين في توظيف التعلم البنائي بمدراس السلطنة، والذي تم بحثه من خلال دراسة بحثية برفقة الدكتور سيف المعمري، وأظهرت نتائج الدراسة أنَّ درجة المعوقات التي يُواجها معلمو الدراسات الاجتماعية في توظيف التعلم البنائي بمدارس سلطنة عمان بلغت 3.78، وهي درجة كبيرة. وأثبتت الدراسة أنَّ هناك العديد من الصعوبات والتحديات التي تُواجه المعلمين في توظيف التعلم البنائي، وكان في مقدِّمتها المعوقات المتعلقة بالمتعلمين من حيث الكثافة الطلابية، والمعوقات المتعلقة بتدريب المعلمين على التعلم البنائي، والمعوقات المتعلقة بالمنهج الدراسي، والتقويم التربوي جاءت كلها مُرتَّبة حسب درجة الصعوبة التي تساهم في التأثير على توظيف المعلمين للتعلم البنائي، وقد تمَّ نشر هذه الدراسة في مجلة رسالة الخليج العربي عام 2013م.

هذه الدراسات وغيرها من الدراسات الأخرى التي تطرَّقت للتعلم البنائي تثيبت أهمية هذا النوع من التعلم، إضافة إلى أنَّ توظيفه يتطلب إحداثَ التكامل في جميع عناصر المنظومة التعليمية؛ بحيث نحقِّق النتائج المرجوَّة من تطبيقه في مدراس السلطنة، خاصة وأنَّ هناك بوادرَ لجهود متميزة تبذلها المؤسسة التربوية في تدريب المعلمين على التعلم البنائي؛ من خلال أحد المراكز التدريبية المتخصصة، والذي يعتمدُ على خبرات دولية وبرامج تدريبية محكمة، أثبت منذ افتتاحه على تحقيق نتائج إيجابية في تغيير من نمط التعلم لدى المعلمين وتحويل العملية التعليمية ليصبح المتعلم هو محور عملية التعلم، وفي الوقت ذاته يتوجَّب تكامل الجهود بحيث نحقق التعلم الهادف الذي يحقق الغايات التي نسعى للوصول إليها من خلال التعلم، وأن ننظر إلى تجربة التعليم بالسلطنة، والتعرُّف على التحديات والصعوبات التي تواجهه هذا النوع من التعلم في المدارس؛ من خلال توظيف الدراسات البحثية المقننة التي توفر العديد من المؤشرات والنتائج التي تُعد هي الوسيلة القادرة على إظهار ما يحدث في الحقل التربوي.

حميد السعيدي

Hits: 10

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *