عُمان الخامس من نوفمبر

Views: 71

الرؤية: لم توحِ لحظات الصَّباح الأولى ليوم الأربعاء الماضي -الموافق الخامس من شهر نوفمبر الحالي- بشيء مختلف على مستوى الحياة العامة في السلطنة، إلا ما تعوَّد عليه الجميع؛ فعلى مستوى الأسرة استيقاظ لبدء يوم جديد وتفاصيل معتادة ليتهيَّأ الجميع بعدها للتوجه إلى عمله أو دراسته. والمدارس بدأت يومها كالمعتاد طابور الصباح والحصص الدراسية وممارسة الأنشطة، وربما أدى بعض الطلبة امتحانات فترية قصيرة، والحال كذلك مع المعلمين وإدارات المدارس التي بدأت يومها كيوم عمل عادي. المشهد نفسه يتكرَّر في مؤسسات التعليم العالي، الجامعات والكليات يومٌ عادي محمَّل بالمحاضرات وربما امتحانات قصيرة كذلك تتزامن مع هذه الفترة وأنشطة تنفذ أو يُستعد لتنفيذها وجماعات طلابية تستعد للاحتفال بالعيد الوطني الرابع والأربعين المجيد. وفي الجانب الآخر، نشاط يومي مُعتاد تشهده مختلف مؤسسات العمل سواء كانت حكومية أو خاصة أو أهلية، مسؤولون على مكاتبهم أو في اجتماعات أو يرعون احتفالًا ما أو على وشك التوقيع على اتفاقيات أو اعتماد برامج تخدم العمل، وموظفون يمارسون أعمالهم سواء داخل مكاتبهم أو في مهام خارجية تقتضيها طبيعة العمل. الشوارع كعادتها في صباحات أيام العمل تزدحم بالمارين إلى أنْ تبدأ في الهدوء التدريجي ويبقى من في طريقه لقضاء مشوار معين أو أصحاب سيارات الأجرة وسائقي سيارات الخدمات ورجال المرور ومن اقتضى ظرفهم استخدام الطريق. وسائل الإعلام المختلفة -خاصة المرئية والمسموعة- تبثُّ برامجها بشكل اعتيادي وفق الدورة البرامجية ووسائل التواصل الاجتماعي لا جديد بها إلا ما هو معتاد، هذا هو الإطار الخارجي للحالة العامة في ساعات الصباح الأولى في ذلك اليوم، ولكن في داخل الجميع -أجدادًا وجدات، آباء وأمهات، شبابًا وفتيات، نساءً ورجالًا، أطفالًا ويافعين، طلابًا وعاملين، موظفين ومسؤولين- يسكن رجلٌ واحدٌ يشغل فكر الجميع منذ الاستيقاظ إلى النوم، الكلُّ يتساءل عن حاله وصحته وموعد عودته لوطنه الذي اشتاق إليه بعد أن شهد ولادته وكبر على يديه ليصل لعمر الأربعة والأربعين، وكان أكثر ما في دواخل هؤلاء، ومع قرب احتفالات البلاد بعيدها الوطني التساؤل عن موعد عودته وتوقع الجميع أن تكون خلال هذه الأيام؛ حيث كلما جاءت مناسبة زاد الشوق إليه وزادت الأمنيات بعودته؛ فالفرح لا يكتمل إلا بوجوده، والأعياد لا تستلذ إلا بمشاركته أبناء وطنه لها، ومع زيادة حالة الشوق لهذا الرجل الباني القائد تزداد الدعوات الصادقة المخلصة من أبناء الوطن ومن خارجه أن يمنَّ عليه بالشفاء العاجل، وأن يرجعه إلى وطنه سالما غانما.. هكذا كان المشهد في السلطنة قبل الساعة الحادية عشرة من صباح الخامس من نوفمبر.

المشهد كان مختلفًا تمامًا في ألمانيا، وبالتحديد في مدينة جارميش -مقر منزل جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه- والذي كان حريصًا جدًّا على أن يُطمئن شعبه ويطل عليهم هذه المرة عبر الصوت والصورة عوضًا عن البيانات التي كان يُصدرها ديوان البلاط السلطاني، والتي لم تروِ عطش أبناء عمان المتلهفين للاطمئنان على صحة والدهم وقائدهم.

وعند الساعة الحادية عشرة صباحًا، تغيَّر المشهد تمامًا في عمان، وتوقفت الحياة لتستعيد أنفاسها التي أرهقها البُعد وأتعبها الاشتياق، فما إنَّ بثَّ تلفزيون السلطنة الكلمة التي وجَّهها جلالته لأبناء شعبه المخلص الوفي -كما وصفهم- إلا وكل شيء تغيَّر، ووصل الخبر كسرعة البرق، تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ لتبدأ دورة حياة جديدة في روح هذا الوطن سأسردها من حيث بدأت؛ فالبيوت لم تعرف من قنوات التليفزيون إلا قناة السلطنة التي بثت الكلمة، ومن ثم أعادتها بعد ربع ساعة لتتيح للجميع مشاهدتها قبل تحميلها على موقع “يوتيوب” والذي حطَّمت من خلاله نسبة المشاهدة لمادة محلية تجاوزتْ النصف مليون مشاهدة في الساعات الأولى فقط من تحميلها، المدارس قطعت يومها الدراسي لتبث النبأ عبر مكبرات الصوت ليطمئن الجميع، وكذلك الحال في مؤسسات التعليم العالي؛ حيث توقَّفت المحاضرات لتناظر الأعين شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية، وفي المؤسسات العامة والخاصة والأهلية قَطع المسؤولون اجتماعاتهم وأجَّلوا ما يحتمل التأجيل من أعمالهم ليرهفوا السمع والأعين بإطلالة الوالد القائد، وكذا الموظفون تناقلوا البشرى فيما بينهم وكانت ردود فعل بعضهم عفوية جدًّا في لحظة طال انتظارها، الطرقات كذلك تغيَّرت الحال بها؛ حيث الكل انشغل بشيء واحد هو الاستماع لبث كلمة الاطمئنان بأية وسيلة كانت.

… وسائل الإعلام المرئية والمسموعة غيَّرت خارطة برامجها؛ فبعد البث الأول للكلمة اشتغل الجميع بتحضير البرامج والتقارير الراصدة لمضامين الكلمة ورؤى أبناء عمان الذين عبَّروا عن سعادتهم كل بأسلوبه بدءًا من العامة الذين عجزت ألسنتهم في أن تختزل الحدث ونطقت به وجوههم المستبشرة، وصولًا إلى الشعراء الذين صدحت حناجرهم بالقصائد التي ولدت في تلك اللحظة، كذلك الحال بالنسبة للفنانين والكتاب والمصممين والمغردين، الجميع أكد أن الخامس من نوفمبر هو يوم وطني آخر لعمان والعمانيين الذين ما زالت أكفهم مرفوعة إلى السماء وألسنتهم تلهج بالدعاء إلى الله -سبحانه وتعالى- أن يشفي جلالة السلطان المعظم ويلبسه ثوب الصحة وأن يعيده إلى وطنه سالما معافى.. اللهم آمين.

خلفان العاصمي

Hits: 3

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *