التربية على قيم المواطنة

Views: 31

الرؤية: المواطنة من القضايا التي شغلت العالم لفترة طويلة من الزمن؛ ويعود تاريخ الاهتمام بها لعهد الإغريق والرومان، وذلك لارتباطها بالتنمية البشرية والإنسانية، ومع مرور الزمن كان ذلك الاهتمام يأخذ أبعادا أكثر تطورًا في مفهوم المواطنة، وقيمها، وتتجسد المواطنة في العلاقة والصلة القائمة بين الفرد والمكان التي ينتمي إليها، وتتمثل مؤشراتها في الأدوار التي يقوم بها المواطن في خدمة وطنه، وكلما انطلقت هذه الأدوار من مبادئ الإخلاص والاتقان في خدمة الوطن، والمشاركة الاجتماعيّة في خدمة المجتمع، كانت تلك المؤشرات مرتفعة، مما يعطي دلالة على المسار الصحيح في المشاركة الوطنية في مسيرة البناء والتنمية الوطنية.

وتعد القيم المعيار الذي يضبط سلوك الفرد وينعكس على شخصيته، وما يمارسه من سلوكيات تنطلق من المبادئ الاجتماعية والدينية والوطنية، مما يساعده على التعايش مع المجتمع، وهذه القيم من يحدد مسار الفرد، ويضع له حدودًا معينة لا يمكن تجاوزها، مما يدفعه ذلك إلى ممارسة السلوكيات التي تعكس القيم الإيجابية. واكتساب هذه القيم لدى أفراد المجتمع، يساهم في بناء مجتمعات متقدمة حضاريًا وفكريًا واجتماعيًا، لذا فإنّ الاهتمام بالتربية على قيم المواطنة تُعد من أساسيات أي نظام تعليمي، لأنها تهدف في الأساس لإيجاد المواطن القادر على تحمل المسؤولية تجاه وطنه، والمبادر في المشاركة الاجتماعية، فهي تخاطب عقل الإنسان المواطن، لتمده بالمعارف والمعلومات عن وطنه وتاريخه وجغرافيته، ويتعرف على حقوقه وواجباته الوطنية، ثم تنتقل لتخاطب وجدانه وتغرس فيه الانتماء والولاء للوطن، والتمسّك بالهوية الوطنية، والاعتزاز بها، وتنمي لديه القيم الإيجابية، وسمات الأخلاق السائدة في المجتمع، وتكسبه المهارات التي تجعله مواطنا مشاركا في خدمة المجتمع، وعضوًا فاعلا في بنائه وتكوينه، مما ينعكس ذلك على تكوين شخصية المواطن المسؤول بحيث يصبح فردًا مؤثرًا في تطور المجتمع ونموه.

ومن أجل مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، ومعالجة القضايا السائدة في المجتمع بأسلوب تربوي وعلاجي، أصبحت عملية التربية على قيم المواطنة وغرسها في نفوس النشء من العناصر الأساسيّة التي يجب أن تقوم بها المؤسسات التربوية، والمجتمعيّة، والدينية، لأنّها لا تتم من خلال المناهج الدراسية، والكتب فقط، وإنما هي عملية تكتسب من خلال الممارسات الإيجابية التي تتم داخل المؤسسة التربوية، والحياة الاجتماعية التي يتواجد بها الفرد.

خاصة أنّ فسلفة التربية العُمانية تسعى إلى غرس وتنمية الشعور بالانتماء والاعتزاز بالوطن، والتأكيد على تماسك المجتمع العُماني باعتباره قوام الوحدة الوطنية التي هي موضع اعتزاز وافتخار، ومن هذه الفلسفة تشق أهداف العملية التربوية التي تهدف إلى بناء الإنسان العُماني، والذي يقوم بهذا الدور المؤسسة التربوية حيث يتم فيها تنشئة الطلبة وبناء قدراتها وانتماءاتهم الوطنية من خلالها، وغرس قيم المجتمع ومعتقداته في نفوس الطلبة، وتكوين الاتجاهات الإيجابيّة تجاهها، وانطلاقا من ذلك فإنّ أنظار الباحثين والأكاديميين والإعلاميين تتجه إلى تقييم الدور الذي تقوم به هذه المؤسسة؛ وذلك لدعمها في تحقيق رسالتها في بناء الإنسان العُماني؛ هذا الأمر دفعنا لتقييم الواقع في المؤسسة التربوية حول التربية على قيم المواطنة، وتشكيل فريق بحثي مكون من الدكتور هاشل بن سعد الغافري أستاذ مساعد بكلية العلوم التطبيقية، و أ. حميد بن مسلم السعيدي، وأ. ماجد بن علي الحامدي لإجراء دراسة بعنوان ” درجة ممارسة معلمي التربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية قيم المواطنة في التفاعل الصفي من وجهة نظر المشرفين التربويين في سلطنة عُمان”، والتي تم تحكيمها، ونشرها في دورية كلية التربية العلمية بجامعة كفر الشيخ في شهر يوليو 2014، وقد كشفت الدراسة بناء على استجابات عينة الدراسة أنّ درجة ممارسة معلمي التربية الإسلاميّة والدراسات الاجتماعية قيم المواطنة في التفاعل الصفي جاءت متوسطة حيث بلغ المتوسط الحسابي لتقديرات مشرفي التربية الإسلامية (2,65)، وتقديرات مشرفي الدراسات الاجتماعية (2,90)، من مقياس خماسي، هذه النتيجة كشفت أنّ المؤسسة التربوية عليها أن تقوم بأدوار أكثر تعمقًا وجدية من أجل تفعيل ممارسة قيم المواطنة؛ وذلك لأنّ هذه القيم تكتسب وتغرس في نفوس النشء من خلال الممارسة، خاصة عندما تمارس من قبل المعلم، حيث ينظر الطلاب للمعلمين على أنّهم مصدر القدوة الحسنة والقيم، والاتجاهات الإيجابية، وهذا أمر طبيعي بحكم مكانة المعلم وعظم الرسالة المهنية التي يقوم بتأديتها، فدوره يتعدى القيام بالواجبات الوظيفية، وإنّما عليه ممارسة مهنته من جميع الجوانب التربوية، وأن يكون مؤمنا بالرسالة التربوية التي يسعى لغرسها في نفوس الطلبة باعتباره يمثل النظام الاجتماعي في المجتمع، وهذه الدراسة تتوافق مع الدراسة التي قام بها الدكتور سيف بن ناصر المعمري أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس، والتي اتجهت لتحليل المناهج الدراسية بعنوان “التربية من أجل المواطنة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي: الواقع والتحديات” والتي نشرتها دورية رؤى استراتيجية في عدد يوليو 2014، وخرجت الدراسة بمجموعة من المؤشرات منها، أن مفهوم المواطنة الذي يضمن داخل المناهج الدراسية لا يزال بعيداً عن المفهوم الحديث الذي يسعى إلى بناء مواطنين بمهارات تؤهلهم للمشاركة في صنع القرارات التي تتعلق بحياتهم، وما نستطيع استخلاصه من هذه الدراسات البحثية أن موضوع المواطنة وغرسها في نفوس النشء يحتاج إلى جهود أكثر عملية وأكاديمية في بناء المناهج التي تسهم في تحقيق تلك المواطنة، والاهتمام بإعداد المعلمين ليكونوا قادرين على إكساب الطلبة لقيم المواطنة من خلال الممارسة والتطبيق لها في التفاعل الصفي والمدرسي، وداخل المجتمع، لذا يجب على المؤسسة التربوية أن تتحمل المسؤولية في التربية على قيم المواطنة، وممارساتها، وتنميتها، بالعمل الجاد والهادف من خلال مناهج تعليمية قادرة على تحقيق الأهداف والغايات الوطنية من التعليم، وتأهيل معلمين قادرين على القيام بواجباتهم المهنية والتربوية.

حميد بن مسلم السعيدي

Hits: 10

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *