كلام في غلق مدارس خاصة

Views: 27

عمان: أخيرا تدخلت وزارة التربية والتعليم لضبط العبث المزمن في بعض المدارس الخاصة بعد أن تمادى ملاكها والمسؤولون عن إدارتها في مخالفاتهم وتجاوزاتهم ردحا من الزمن وأوصلوا هذا النوع من التعليم إلى مستويات ضحلة دون اكتراث باللوائح والقوانين المنظمة للتعليم الخاص وساهموا إلى حد بعيد في تراجع الثقة في مثل هذه المشاريع التي حادت عن جادة الطريق المفترض أن تسير عليه وأصبحت أهدافها مكشوفة فلا تعير مفهوم التربية والتعليم بالا ولا اهتماما ولم تعد أكثر من شراك منصوبة لاصطياد أموال الباحثين عن جودة التعليم الموعود المفقود.

قرار وزارة التربية والتعليم إغلاق ست مدارس دفعة واحدة لم يكن صادما وأجزم أن هناك أضعاف هذا العدد يستحق العقاب نفسه بل إن كثيرا من المعلمين والمعلمات العاملين في بعض المدارس الخاصة ليسوا أهلا لهذه المهمة وذلك من واقع مؤهلاتهم ومستواهم العلمي والتأهيل التربوي الذي يفتقدون إليه فعدم الاستقرار في المدرسة لأكثر من عام وربما لفصل دراسي مؤشر واضح لتدوير ضعاف المعلمين بين المدارس، الأمر الذي تنعكس نتائجه سلبا على التحصيل العلمي للطلاب.
فيلل المدارس الخاصة قامت على استغلال امتيازات الاستثمار التعليمي المغدقة من الحكومة والتي تسيل اللعاب من أراض ودعم مادي وتسهيلات، هذه الامتيازات وزيادة الإقبال عليها جعلت الطريق معبدا لتفريخ المزيد من المدارس (بلغت 468 مدرسة في العام الدراسي 2013 /2014 وتضم 89275 طالبا وطالبة).
مشاريع المدارس الخاصة وجدت بيئة خصبة لتنمو وتنتشر وترفع أسعارها كل عام مستغلة حاجة المجتمع إليها في ظل زيادة أعداد طلاب التعليم العام وتأرجح مستواه إثر المرحلة الانتقالية التي شهدها القطاع الحكومي في مشروع تطوير التعليم إلا أن كثيرا منها للأسف كانت الفخ الذي وقع فيه أولياء الأمور اللاهثون وراء المستقبل المشرق واللامع لأبنائهم لكنهم أهدروا أموالهم سلفا ثم يدفع أبناؤهم الثمن لاحقا.
ويبدو أن العملية التعليمية وخدمة المجتمع لا تعني المسؤولين عن هذه المدارس المخالفة لا تربية ولا تعليما ولا يولونها اهتماما فرغم منحهم فترة زمنية لتوفيق أوضاعهم والاجتماع بهم والجلوس معهم وما سبقها وأعقبها من تقارير اللجان والإنذارات لكنهم لم يعتبروا ولم يلتزموا وأصروا على مخالفاتهم مما يؤكد أن الربح همهم.
ولهذا فالشكاوى لا تتوقف حول تدني المستوى التعليمي لمدارس التعليم الخاص وتغليب مواد دراسية على أخرى وتطبيق أنظمة إدارية وتعليمية مستقلة برؤى وممارسات بعيدة عن المعايير المحددة وعن قيم المجتمع وثقافته. كما تعاني الكثير من المدارس الخاصة- زيادة على رسومها الباهظة – من عدم استقرار الكادر التدريسي وضعف مستوى أداء المعلمين، وندرة المعلمين المتخصصين وغياب تقييم حقيقي لمستوى الطلاب فجميعهم ناجحون طالما أن آباءهم يدفعون، الأمر الذي يعطي ولي الأمر انطباعا وهميا بالإيجابية المستمرة حول مستوى أبنائه.
التعليم الخاص خدمة وينبغي أن تكون ذات جودة عالية توازي تكلفتها الباهظة وأن لا يتم رفع أسعارها كيفما اتفق وإنما وفق أسس ودواعي مقنعة وبمراقبة من قبل الجهات المختصة فالكثير من المدارس الخاصة تتجاهل قوانين العمل وجودته بعد أن غرقت في الربحية المفرطة على حساب مصلحة الطالب والمجتمع.
والتعليم المدفوع هو استثمار بعيد المدى والتعليم الخاص جزء من مشروع التربية والتعليم الكبير الذي يصب في خدمة المجتمع ويصنع أجياله ولهذا يجب مراقبة مناهجه الدراسية ومحتواها من مواد أو صور أو رسومات أو وسائل إيضاحية أخرى سمعية وبصرية فينبغي أن لا تتنافى مع أعراف المجتمع وتقاليده وقيمه وثقافته كما يجب التأكد من عدم تمرير مضامين قد تجنح إلى أفكار متشددة أو إباحية أو مذهبية أو طائفية وكذلك متابعة نوعية الأنشطة التي تقدم للطلاب وأساليب ممارستها. ولعله من المناسب أن تتوافق المناهج الدراسية في مدارس التعليم الخاص مع مناهج المدارس الحكومية خاصة في المساقات التي ترتبط بقيم المجتمع والمهارات الحياتية بينما يمكن أن تكون هناك مساحة من الحرية في الاختلاف في المناهج العلمية والمهنية.
إن توجه وزارة التربية والتعليم نحو تفعيل القانون من شأنه التأكيد على أن البلاد هي دولة مؤسسات وقانون وان المدارس الخاصة هي جزء لا يتجزأ من منظومة التربية والتعليم في البلاد وصناعة الأجيال بمعاييرها المحددة وبجميع مكوناتها التربوية والتعليمية والثقافية والفكرية وأطرها القانونية وأنها ليست ساحة للتنافس المادي البعيد عن القيم الأخلاقية أو حضانة لتفريخ وتمرير أفكار دخيلة وممارسات مسيئة.
وإذا كان قرار إغلاق المدارس الخاصة المخالفة يؤكد أن العبث بقيم المجتمع خط أحمر لا يمكن تجاوزه فإن تدخل وزارة التربية الحاسم من شأنه أن يسهم في تعزيز معايير الجودة وتقديم خدمة نوعية ترقى بالأداء التعليمي وتأكيد مسؤولية المجتمع في ضرورة المتابعة للمدارس الخاصة وتقييم أنظمتها وممارساتها بأسلوب يعزز من دورها الإيجابي إداريا وتدريسيا، ومن شأن القرار أيضا أن يعزز المنافسة بين المدارس ويحفزها على تبني نظم الجودة في بيئتها التعليمية وبرامجها وإيجاد نظم للتقويم والمتابعة وتطوير مهنية كوادرها الإدارية والتدريسية وتقييم المستوى التحصيلي لطلابها والبعد عن الاجتهادات.
إن هذا القرار جاء متأخرا أو في وقته فانه يبعث على الأمل في نفوس أولياء الأمور للاطمئنان على أبنائهم بأنهم سيكونون في أيد أمينة وأنهم سيتلقون التعليم الذي ينشدونه فعلا ومن شأنه أن يعيد الثقة المفقودة في مدارس التعليم الخاص والدور الذي يفترض أن تضطلع به في خدمة المجتمع ومن جهة أخرى يمثل جرس إنذار قوي لمدارس أخرى تحت الملاحظة أو تحوم حولها الشكوك للعودة إلى حظيرة منظومة التعليم بمعاييرها وقيمها.
لكن السؤال هل القرار نافذ ونهائي حتى يكون رادعا وحافزا إيجابيا للتغيير والإصلاح وتعديل الأوضاع للارتقاء بالتعليم الخاص أم هو أمر وقتي ستتدخل دبلوماسية تلطيف الأجواء لاحتوائه وستعود حليمة لعادتها القديمة؟
إن أسوأ ما نخشى أن يتم التساهل في تطبيق القرار والأنكى من ذلك أن تتاح لأولئك العابثين فرصة تغيير جلدهم بإنشاء مبنى جديد للمدرسة نفسها بمسمى جديد يغطي سوأتهم بينما يبقى الأشخاص الذين يملكونها ويديرونها هم نفسهم بعقلياتهم المصلحية التي يعشش فيها الجشع وأفكارهم المنحرفة عن السياق التربوي والتعليمي.
إن هذا التدخل كان ضروريا ويجب أن يستمر وان لا يكون القرار الأخير طالما وجدت الأسباب لأن التراجع عنه سيكون كارثيا وتنازلا غير مقبول فالمسؤولية المجتمعية تحتم التمسك بجودة التعليم وفق ضوابط ومعايير واضحة ومحددة وعدم تركها للاجتهاد أو المصالح الشخصية أوالميول الفكرية.
لكن ترسيخ قرارات ضبط العمل النوعي في التعليم الخاص وتفعيل القانون وإنزال العقوبات يلزم تعضيدها في المرحلة المقبلة بتشريعات ولوائح واضحة ومحددة متطورة تواكب المتغيرات التربوية والتعليمية وجودة التعليم العالمي وحاجة المجتمع وسوق العمل وفي كل ما يتعلق بتصاريح إنشاء المدارس الخاصة والتسهيلات من المنح والدعم وكذلك في عملية التقييم والمتابعة وضرورة تحديد معايير واضحة ومحددة في الأداء قابلة للقياس وتوقيع العقوبات القانونية الرادعة على المخالفين التي تعيد التعليم الخاص إلى مساره الصحيح.

عبدالله بن سيف الخايفي

Hits: 1

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *