مضامين تربوية متوافقة مع أهداف اليونسكو

Views: 70

الرؤية: تختلف وجهة النظر الحكومية في السلطنة نحو إلزامية التعليم عن وجهة النظر التي ترى التعليم إلزامياً؛ إذ تراه السلطنة ضروريا ومجانيا في المرحلة المدرسية، لكن نظرًا لطبيعة المجتمع الذي يشمل تجمعات ريفية وأخرى بدوية وجبلية، فإنّه من الصعب حاليًا إقرار إلزامية التعليم نظرًا لعدم استقرار بعض التجمعات السكانية في مكان واحد، فضلاً عن أنّ إقرار الإلزامية يعني إلحاق عقوبة قانونية (كالسجن مثلاً) بأولياء الأمور الذين لا يتمكنون من إلحاق أطفالهم بالمدرسة لسبب أو لآخر، وهو ما يُعد غير مناسب حاليا في مجتمعنا. ورغم ذلك، فإنّ وجهة نظر الحكومة التي ترى التعليم ضرورة للبنين والبنات، تنبع من قناعة بأنّ التعليم أحد مقتضيات العصر، بل يتعدى ذلك كونه حقًا من حقوق الإنسان، ولذا فالتعليم العام في السلطنة مجاني. وقد سعى النظام التعليمي في عمان منذ بداية انطلاقته الحديثة إلى تنمية معارف واتجاهات ومهارات الدارسين مع تنمية القيم والتي من ضمنها قيم السلام والمساواة واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة والتنوع الثقافي.
واليوم، يمكن وصف التعليم في السلطنة بأنّه تعليم نوعي، يركز على خلق المناخ الملائم للطالب لاكتساب المعلومات والاتجاهات والقيم جنباً إلى جنب مع فرص الممارسة العملية لعدد متنوع من المهارات الفردية والجماعية في الجوانب العلمية والحياتية اللازمة لإنسان اليوم. كما يعتمد النظام التعليمي على مناهج دراسية حديثة ومتجددة، تدعمها استراتيجيات تعلم متمحورة حول المتعلم وأساليب التقويم التكويني المستمر التي تتيح الفرصة للمعلم وللطالب ولولي الأمر المشاركة في تنفيذها ومتابعة نتائجها، وذلك من أجل تحقيق مبادئ وقيم تضع تنمية الإنسان معرفيًا وثقافيًا ووجدانيًا هدفا أول لها، سعيًا لخلق إنسان متوازن ثقافيًا ومؤهل للتعاطي المنفتح مع العالم من حوله.
* * *
يعكس النظام الأساسي للدولة سياسة حكومة السلطنة التي تركز على أهمّية المساواة في التعليم للجميع، أي المساواة بين الجنسين والمساواة في حق التعليم بين الكبار والصغار بغض النظر عن العرق والدين واللون. وتؤكد العديد من المواد الأساسية في النظام الأساسي للدولة على حق المساواة لاسيما وأنّ السلطنة قد صادقت على الاتّفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، كما صادقت على اتّفاقية منع التمييز ضد المرأة.
أما محو الأمية فقد كان هدفًا أساسيًا لحكومة سلطنة عمان سار جنبًا إلى جنب مع نشر التعليم بين الصغار. وتُعد نسبة الأمية في السلطنة في الفئة العمرية من 15 إلى 45 سنة منخفضة للغاية مقارنة بالعديد من الدول العربية. إن الجيد في الأمر هو أن هذه النسبة أقل بكثير عمّا كان عليه الحال قبل ثلاثين عامًا، الأمر الذي يعني نجاح إستراتيجية العمل ببرامج محو الأمية في السلطنة. إنّ الهدف الاستراتيجي في مجال محو الأمية هو تحقيق تخفيض بنسبة 50 في المئة أو تزيد في مستويات محو أمية الكبار بحلول العام القادم لاسيما لصالح النساء.
ومن أجل توسيع نطاق محو الأمية في جميع أرجاء البلاد، استعانت الوزارة بخريجي الشهادة العامة ليساهموا في التدريس بفصول محو الأمية. لقد تمّ إعداد برامج خاصة لهؤلاء الخريجين تؤهلهم للتدريس وللتعامل مع الكبار. وبموازاة هذا البرنامج تمّ تطبيق برنامج آخر يتمثل في الاستعانة بالمتطوعين الراغبين في تدريس الأميين، حيث تقوم الوزارة بتوفير مستلزمات التدريس مجاناً. لقد أثمر هذان المشروعان عن نتائج إيجابية تمثلت في زيادة الدارسين بفصول محو الأمية.
* * *
وإيمانًا من وزارة التربية والتعليم بحق جميع فئات المجتمع في التعليم، فقد تمّ افتتاح مدارس مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة من الطلاب وفقاً لنوعية الإعاقة.
من البرامج التربوية المتميزة اللافتة للنظر التي تعمل على تحسين التعليم لذوي الاحتياجات الخاصة من الطلاب برنامج معالجة صعوبات التعلم. يقدم هذا البرنامج الخدمات التربويــة المناسبة للطلاب ذوي صــعوبات التعلم في مــدارس التعليم العام عوضًا عن إحالتهم إلى مدارس التربية الخاصة. يهدف البرنامج إلى علاج بعض المشكلات النفسية والاجتماعية والدراسية لدى الطلاب الذين يعانون من صعوبات في التعلم.
وسعيًا لرفع وعي المجتمع بالإعاقات المختلفة وطبيعتها، والتأكيد على أنّ الإعاقة البدنية أو الذهنية لا تتنافى مع إمكانية أن يكون المرء منتجاً، طبقت الوزارة مشروع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع الأطفال الأصحاء. ومن أهداف هذا المشروع إلغاء أيّ شكل محتمل للتمييز بين المعاقين وغير المعاقين، من حيث محو الصورة السلبية التي قد تكون موجودة لدى بعض الطلاب بأنّ المعاق ينبغي أن يكون معزولاً عن المجتمع.
* * *
إنّ النظرة الحديثة للتعليم في السلطنة لا تختلف عن تلك المتبناة من قبل منظمة اليونسكو، والتي تنظر للتعليم باعتباره كنزًا مكنونًا. إن ما يجعل التعليم كنزًا هو سعيه لإظهار الطاقات الخلاقة الكامنة لدى الطلاب من خلال تشجيع أساليب التعلم الذاتي وتنمية الجوانب العملية وإكساب المهارات الحياتية لدى المتعلمين، وبهذا المعنى فإنّ المفهوم الجديد للتعليم يسعى إلى تحقيق تربية مستدامة ترتكز على أربع دعائم هي: تعلّمْ لتعرف، تعلّم لتعمل، تعلّم لتعيش مع الآخرين، وتعلّم لتكون.
ولأجل تحقيق تلك الغايات الأربع فإنّ النظام التعليمي في السلطنة تبنى عددًا من التوجهات التربوية المتوافقة مع المبادئ الأساسية لليونسكو. إذ يحرص النظام التعليمي في السلطنة على غرس الوعي بحقوق الإنسان في نفوس النشء، فالتمييز بين الناس بسبب الدين أو العرق أو اللون أو اللغة، سلوك يتنافى مع طبيعة المجتمع العماني، حيث تعزز التربية الأسرية والمدرسية رفض مثل هذه الأفكار. وتمتد القيم التي يعنى بها هذا النظام لتطال مجالات عديدة كالتربية البيئية الهادفة إلى رفع الوعي البيئي لدى الطلاب وتعويدهم على حماية وصون البيئة، وهو مبدأ عالمي، فمن يحمي بيئته يحمي في المحصلة البعيدة كوكب الأرض برمته. كما يسعى التعليم في عُمان إلى غرس قيم التواصل والحوار وقبول الآخر وغيرها من القيم والمضامين التربوية التي تتسق مع الثوابت العالمية المتعارف عليها والقائمة على مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
* * *
إنّ رفع وعي المجتمع بأهمية التعليم، ونجاح سياسات حكومة السلطنة في جذب المستثمرين للاستثمار في مجال التعليم، يعد نجاحاً للنظام التعليمي العُماني. فمما تتميز به تجربة التعليم في السلطنة، دخول القطاع الخاص كشريك للحكومة في عملية نشر التعليم، وقد رحبت الحكومة بمبادرات القطاع الخاص لفتح مدارس خاصة منذ السنوات الأولى لبدء المسيرة الحديثة للتعليم في السلطنة. وقد نبع هذا الترحيب عن قناعة بأنّ التعليم مسؤولية جماعية وليس فردية، وأنه ليس مجرد خدمة تقدمها وزارة التربية والتعليم، فالمؤسسات الأهلية مطالبة هي الأخرى ليس بمجرد فتح مدارس خاصة، وإنما بالمشاركة في رسم خطط وبرامج التعليم والتدريب، مما يساهم في صنع تعليم يتلاءم مع الاحتياجات الفعلية للمجتمع. وقد قطعت عمان شوطًا جيدًا في خلق هذه الشراكة مع المؤسسات الخاصة، وهو ما ينعكس في وجود ممثلين لكثير من المؤسسات الأهلية كشركاء للتربويين في العديد من اللجان التي تعمل على رسم وتنفيذ العديد من البرامج والمشاريع التربوية.
ومن أبرز مساهمات القطاع الخاص في مجال التعليم افتتاح عدد من رياض الأطفال التي تُعنى بالطفولة المبكرة. وتشهد رياض الأطفال، لاسيما في المدن الرئيسية في البلاد، إقبالاً من أولياء الأمور العمانيين إيماناً منهم بضرورة رعاية الأطفال من سن مُبكّرة، بما يمهد للطفل الدخول للمدرسة. ويمكن القول بأن التعليم ما قبل الإبتدائي قد أصبح إلى حد بعيد قاعدة عامة في الكثير من المدن العمانية، وهو أمر مبشر وواعد.

عبد الله خميس

 

Hits: 5

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *