سياسة التعليم بالتجهيل.. من المسؤول؟

Views: 53

السبيل: التقرير الذي كشف عنه معالي وزير التربية والتعليم د.محمد ذنيبات قبل فترة قصيرة؛ كان مفاجئاً للجميع؛ حيث أعلن في مجلس النواب أمام اللجنة المالية.. بأن 22% من طلاب المدارس في الصفوف الأولى (أي ما يقارب 100 ألف طالب) لا يقرؤون الحروف والأرقام.. هذا الإعلان هو بمثابة كارثة وطنية حقيقية؛ حتى إن البعض وصفه بـ (تسونامي)… إذا كان هذا في المراحل الأساسية.. ترى ما الذي سيؤول إليه وضع طلبتنا بعد ذلك؟!!
في الحقيقة أن الاحصائية التي أعلنها معالي الوزير.. خرجت من دراسة أجرتها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية… وكانت بعنوان… (أداء الطلاب في القراءة والحساب والممارسات التربوية والإدارة المدرسية في الأردن) وقد أعلنت نتيجة هذه الدراسة في آب 2012؛ ولا أدري لم تأخر الكشف عن هذه الدراسة حتى إعلان الوزير د.ذنيبات قبل فترة وجيزة؟ !
وكان هدف الدراسة تقييم المهارات التي يمتلكها طلاب الصفوف الثلاثة الاولى وتناولت خمسة محاور: أصوات الحروف؛ القراءة السردية للنصوص؛ قراءة كلمات غير مألوفة؛ الفهم القرائي؛ والفهم الاستيعابي… وربما ضُخم الخبر إعلاميا؛ لأن هكذا دراسة من المفترض أنها لن تتناول طلاباً أميين لا يقرؤون بتاتاً؛ ولكنها تفترض وجود القدرات الأساسية في القراءة!.. وكانت نتيجة هذه الدراسة أن 22% من الطلاب (وهي عينة عشوائية مأخوذة من مدارس في كافة مناطق المملكة) لديهم ضعف كبير في أمرين: السرد النصي؛ وقراءة كلمات غير مألوفة.
ولكن هل كان هذا الخبر حقا مفاجئا وغير متوقع لدى الكثير منا؟ ألم تكن هناك مؤشرات وظواهر تشي بوجود خلل كبير في عملية التعليم برمتها؟
كلنا يعلم أن التعليم العام يسير في خط منحدر؛ كما أن المشكلة لم تقف عنده بل تعدته إلى التعليم العالي!! فطلابنا في الجامعات يتخرج بعضهم وهم لا يتقنون الكتابة والإملاء.. وحتى لا يحسنون القراءة.. وهذا الأمر تحدث عنه وزير التعليم العالي بقوله: (التعليم العالي يعيش أزمة حقيقية) وعلق د.عدنان البخيت على ذلك بقوله: (التعليم العالي في بلادنا.. يحتضر!!).. المشكلة ليست وليدة اللحظة؛ بل هي متجذرة منذ عقود؛ والحكومات المتعاقبة تعلم هذا جيدا…وما نراه في مجتمعنا الأردني من انهيار لمنظومة الأخلاق.. والعنف الجامعي.. وانتشار الفساد المالي.. والإخلال والاستهتار بالقانون.. كله له أصول تعود إلى التربية والتعليم والتعليم العالي.
المسؤول الأول.. الحكومات.. فسياسة التهميش لقطاع التعليم التي تنتهجها الحكومة؛ وبعض الجهات المتنفذة.. أدت إلى تردي وضع المعلمين؛ وبالتالي تردي التعليم نتيجة طبيعية لقلة الاهتمام.. وقلة الحوافز لمعلمي المراحل الأساسية والعليا.. بينما في الدول المتقدمة.. ولنأخذ ألمانيا مثالاً.. يكون راتب المعلم أعلى من راتب الوزير!! لأن المعلم هو من سيصنع الوزير والطبيب والمعماري والطيار مستقبلا.. فهم (أي الحكومات في تلك البلاد) يولون معلمي طلبة المراحل الأساسية جل اهتمامهم.. !! لأنهم يعلمون جيدا أن المرحلة التعليمية للصفوف الأولى؛ هي المرحلة التي تتمثل فيها معاني الثقافة والمعرفة وأهمية التعليم.. وتتشكل فيها شخصية الطفل.
لقد كان المعلمون في الأردن قبل عقود من الآن يؤمنون بفكرة أن التعليم هو وسيلة أساسية لتوفير حياة كريمة للإنسان.. وعندما كانت هذه الفكرة راسخة في العقول.. تخرج لدينا كفاءات وخبرات بنت هذا الوطن بجهود هؤلاء المعلمين المباركة؛ كما أننا صدرنا هذه الخبرات لدول الجوار أيضاً.. فالتعليم يجب أن يكون الأولوية الأولى في برامج الحكومة، وأن ترصد له الميزانيات الكافية والدعم اللازم لتطوير هذا القطاع وتحسينه.
وزارة التربية والتعليم هي المسؤول الثاني عن هذا الوضع المتردي.. والبعض يلقي باللائمة على المناهج التي لا تركز على أصوات الحروف أو الكلمات المنفصلة؛ ونقلا عن صديقة تعمل في دائرة تطوير المناهج بوزارة التربية؛ أن هذا النمط في التعليم كان معمولا به في السنوات السابقة؛ وهي ما يسمى بالطريقة الكلية في تعليم القراءة.. والتي تبدأ بتعلم الطفل جملاً يحفظها شكلاً وتلقينا؛ ثم يجزئ الجملة ويتعلم الكلمات؛ ثم يتعلم الحروف..؛ أما الطريقة الجزئية في التعليم فتتلخص بأن يبدأ الطالب بتعلم الحرف.. ثم بعد تعلم عدة أحرف يركب منها كلمات؛ وعندما يتقن الكلمات يركب منها جملاً.. وهكذا؛ والنظام المعمول به منذ بداية هذا العام (فقد تم تغيير منهاج الصف الأول هذه السنة) هو الطريقة التوليفية في تعليم القراءة؛ وتعني الجمع بين الطريقتين الكلية والجزئية.. وهي خطوة في الطريق الصحيح؛ فهذا يجعل من تعلم القراءة أمراً سلسا؛ ووسيلة لإيقاظ الفكر الخلاق وتنمية الإبداع لدى الطلبة في هذه المرحلة الهامة من الدراسة؛ ويجب أن تركز المناهج على تنمية المهارات لا على أسلوب التلقين.
وبحسب آراء أخصائيين تربويين: إن عدم إتقان القراءة في الصفوف الأولى؛ سوف يؤثر على النمو العقلي والانفعالي والاجتماعي للطفل؛ وذلك بأن زيادة عدد المفردات التي يتعلمها الطفل ستزيد من نموه العقلي والانفعالي والاجتماعي؛ وإن وُجدت مشكلة في القراءة منذ الصفوف الأولى؛ ستكبر مع الطالب وترافقه في الصفوف العليا.. وربما في التعليم الجامعي!! أيضا من السياسات الخاطئة في الوزارة والتي أدت إلى وجود هذه المشكلة؛ هي سياسة الترفيع التلقائي في الصفوف الأولى بغض النظر عن أداء الطالب ومستواه؛ وهذا مما لا شك فيه ساعد في وصول طلاب ضعيفي القراءة والكتابة إلى الصفوف العليا دون معالجة لهذا الضعف.. فيجب على المعنيين إعادة النظر في هذا القرار.. ونقطة أخرى في غاية الأهمية.. يجب أن يتم إخراج سلك التعليم من دائرة الخدمة المدنية؛ وأن يتم إيجاد آلية خاصة لتعيين المعلمين في وزارة التربية على أساس امتحان تنافسي يعقد لهم.
المسؤول الثالث عن هذه المشكلة هو المعلم نفسه…هل هو مؤهل ومدرب؛ ولديه الخبرة والكفاءة؛ والقدرة على ايصال المعلومة للطفل بشكل محبب؟ ويجب أن يستخدم الوسائل الجذابة وغير التقليدية في التعليم…وأن يتم التركيز على الوسائل الحسية الملموسة لأن الأطفال في المراحل الأساسية يكون تفكيرهم حسياً.. فالمعلمون لهذه الصفوف الأساسية يجب أن يخضعوا لدورات تدريب وتأهيل للتعامل مع الطلبة في هذه المرحلة بالذات…ويجب أن يكون لدى المعلم الخبرة التربوية الكافية بجانبيها العام والخاص؛ فإن فقد المعلم أحد هذين الجانبين لن يكون قادراً على تطوير المهارات القرائية لدى الأطفال..
كما أن اكتظاظ الصفوف في المراحل الأولى مشكلة موجودة في غالبية المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة أيضا.. فهذا ساهم بشكل أو بآخر في المشكلة.. ذلك أن الاكتظاظ لن يتيح للمعلم أن يعطي كل طالب حقه من الاهتمام والتعليم؛ والتأكد من إتقان كل طالب لمهارة القراءة والكتابة.. كما أن غياب وظيفة (النسخ).. والتي كانت وظيفتنا اليومية ونحن صغار.. وقد تكون قصاصاً فيطلب المعلم نسخ الدرس أكثر من مرة.. هذه الوظيفة علمتنا اتقان الكتابة والخط الجميل.. ولكن من منا يسمع بوظيفة (النسخ)هذه الأيام؟!
المسؤول الرابع هو الأهل.. فهل يعطي الأبوان الوقت الكافي والمتابعة اليومية الحثيثة للأبناء في سني تعليمهم الاولى في المدرسة؟
هذا الجيل الذي تناولته الدراسة معظم الأمهات -إن لم نقل الكل- متعلمات وبعضهن جامعيات.. فلماذا يكون لدى أبنائهن هذا الضعف في القراءة؟! هل السبب هو عمل الأم خارج البيت.. وأنها لا تجد الوقت الكافي لمتابعة ابنها لانشغالها بأعبائها المنزلية؟!.. ولكن ليست كل الأمهات موظفات.. مع أنني استقصيت عن هذا الأمر فوجدت أن الأمهات العاملات وبالذات المعلمات في الغالب يكون أبناؤهن على درجة عالية من التحصيل الدراسي؛ وهي تقوم بإعطائهم الوقت والجهد اللازمين للوصول إلى هذا الهدف مضحية بصحتها ووقتها!! أما الأمهات ربات البيوت فلديهن الوقت الكافي للعناية بالأبناء ولكن للأسف.. نجد إهمالا من جانب بعض الامهات في تدريس ومتابعة الابناء إما كسلاً.. او انشغالاً بامور أخرى؛ كالزيارات ومتابعة المسلسلات؛ والتواصل على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تأخذ جل وقتها!! مما ساهم في تردي الوضع التعليمي لدى الابناء..
المسؤول الخامس هو الطالب نفسه.. فأبناؤنا الطلبة في المراحل التعليمية الأولى؛ غالبيتهم العظمى مبهورون بالتلفاز، وألعاب الكمبيوتر و(الآي باد) ويمضون أوقاتا طويلة في هذا.. وقد أثبتت الدراسات الحديثة مدى خطورة هذه الأجهزة (الذكية)على دماغ الطفل.. فهي تؤخر النمو العقلي السوي للاطفال المدمنين عليها.. وتفقد الدماغ القدرة على التركيز والدراسة والحفظ.. وهذا سيؤثر سلباً على قدرة الطفل على التعلم والفهم والاستيعاب لما سيتعلمه في المدرسة!!
أخيرا يجب أن تعود للمعلم هيبته واحترامه.. بداية من الدولة ممثلة في الحكومات.. ثم المجتمع ككل.. ثم الأسرة.. ثم الطالب؛ فالمعلم الكفء المخلص.. والمراقب لله تعالى في عمله هوالذي سيبني أجيالاً تنهض بالمجتمع.. وينشئ أفراداً صالحين.. ولن يتأتى هذا إلا بتضافر الجهود وتعاون كل الجهات المسؤولة لتدارك هذا الوضع المتأزم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!.

منال منصور

Hits: 0

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *