الإبداع المالي يذهب إلى المدرسة

Views: 53

فيليب داوست بلازي، روبرت فيليب، كارول بيلامي

ستناقش الأمم المتحدة تقريراً رفيع المستوى حول أولويات التنمية العالمية للفترة التالية للأهداف الإنمائية للألفية، التي ينتهي العمل بها في عام 2015. وستكون جودة التعليم من بين الأولويات العالمية التي سيتناولها زعماء العالم.

وفي حين تحسنت نتائج الصحة العالمية ــ أحد المحاور الرئيسية للأهداف الإنمائية للألفية ــ إلى حد كبير في الأعوام الأخيرة، فإن التقدم في مجال التعليم في مختلف أنحاء العالم لم يكن مُرضياً بأي حال من الأحوال. ويرجع هذا إلى أسباب عِدة، بما في ذلك الطبيعة المعقدة للاستثمار في التعليم، وضعف الإدارة العالمية ــــ وبطبيعة الحال، التمويل.

وبحلول عام 2015 سيبلغ مجموع إنفاق مؤسسات تمويل الصحة الثلاث الأكبر على مستوى العالم ”الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتحصين، وUNITAID” أكثر من 55 مليار دولار، مع ما يقرب من سبعة مليارات دولار قادمة من آليات تمويل إبداعية مثل سندات اللقاح، وفرض ضريبة على شركات الطيران، ومقايضة الديون.

ورغم الأدلة القاطعة التي تؤكد تأثيره الإيجابي في الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي فإن التعليم ــــ خاصة في المرحلتين ما قبل المدرسة والتعليم الابتدائي ــــ يعاني نقصا مزمنا في الاستثمار. فقد جمعت الشراكة العالمية للتعليم أقل من 10 في المائة من التمويل الذي ذهب إلى الصحة العالمية، وحتى يومنا هذا لم تنشأ آليات إبداعية تُذكَر لتمويل التعليم. ومع افتقار نحو مليار طفل إلى القدرة على الوصول إلى التعليم الجيد، فمن الواضح أن مزيدا من التمويل مطلوب.

وتتضمن العوائق التي تحول دون الاستثمار في التعليم الفجوة الهائلة بين التدخلات والنتائج، وصعوبة قياس النتائج، وهيمنة القطاع العام. والواقع أن القطاع الصحي يواجه عقبات أقل لأنه يفرض تهديدات مباشرة على حياة البشر، ويمكن قياس نتائجه بسهولة، فضلاً عن الدرجة العالية من الاستدامة والقطاع الخاص النشط.

وعلاوة على ذلك، يوفر وجود الشراكات العالمية بين القطاعين العام والخاص ــــ مثل الصندوق العالمي، أو التحالف العالمي من أجل اللقاحات، أو UNITAID ــــ ركيزة مؤسسية للدعم الفعّال والدبلوماسية الصحية العالمية. وعلى النقيض من هذا فإن الجهود الرامية إلى تحسين نتائج التعليم العالمي تواجه معوقات تتمثل في التعقيدات القائمة على طول سلسلة القيمة الاستثمارية في هذا المجال والافتقار إلى مؤسسات التمويل الممولة على النحو اللائق والقادرة على تحريك دبلوماسية التعليم العالمية. فما الخيارات إذن؟

نحن نقترح إنشاء بنك للاستثمار في التعليم بالتعاون بين الشراكة العالمية للتعليم والبنوك الاستثمارية الدولية الكبرى، وتمويله جزئياً من خلال عائدات ضريبة تفرض على المعاملات المالية، كتلك التي اقتُرِحَت للاتحاد الأوروبي.

والواقع أن ضريبة المعاملات المالية هي الأنسب لمثل هذا المشروع لسببين. فأولا، تعد الضريبة ذاتها نتيجة ــــ وكما قد يقول البعض عقابا ــــ للإبداع المالي ”الخبيث” الذي جلب الخراب إلى الاقتصاد العالمي في عام 2008، والذي كان أفقر الناس في العالم هم الأشد تضرراً منه. ويبدو من الإنصاف والعدل الآن أن نفرض ضريبة على القطاع المالي من أجل تغذية الإبداع ”الطيب” الذي يمول البنية الأساسية الاجتماعية مثل التعليم.

وثانيا، سيكون للبنك الاستثماري في مجال التعليم أعظم الأثر في استغلال أصول جديدة، والاستفادة من رأس المال، وخلق مزيد من الفرص. ففي البلدان النامية وحدها تحتفظ صناديق المعاشات، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار المشترك بأصول تتجاوز قيمتها ستة تريليونات دولار أمريكي، وتنمو هذه الأصول بمعدل سنوي يبلغ 15 في المائة. فلماذا لا يتم تخصيص بعض هذه الأموال للتعليم؟

على الرغم من صعود التعليم الخاص في عديد من البلدان ذات الدخل المنخفض، فإن فرص الاستثمار في النماذج المشتركة بين القطاعين العام والخاص والتعليم الخاص تظل محدودة. وحاليا، هناك فرص قليلة واضحة للمستثمرين، خاصة من حيث حجم ونطاق المعاملات.

وفي كل البلدان تقريبا، لا تزال الدولة تحمل على كاهلها عبء تمويل التعليم. والآن نشهد بعض جهود التمويل الإبداعي للتعليم، مثل سندات الأثر الاجتماعي التي تم إصدارها أخيرا لتمويل التعليم في ولاية راجاستان في الهند؛ ولكن ترقية وتوسيع نطاق مثل هذه الآليات تتطلب مزيدا من القدرة المؤسسية وإيجاد سوق أكبر وأكثر سيولة. ومن الممكن أن يلعب بنك الاستثمار في التعليم دوراً بالغ الأهمية في تحفيز كلا الأمرين.

وينبغي لهذا البنك أن يذهب إلى أبعد من ذلك، فيساعد على إسداء المشورة بشأن الإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تحسين وتنمية قطاع التعليم. وسيشرف أيضاً على عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع التعليم، ويؤسس صناديق خاصة به للأسهم الخاصة ورأسمال المشاريع للاستثمار في التعليم، وأن يعمل كصندوق للصناديق.

إن ضمان التعليم العالي الجودة، خاصة بالنسبة لأشد الأطفال فقراً على كوكبنا مسألة عدل وإنصاف. ولكن الإبداع في تمويل التعليم المستدام متأخر كثيراً في حين تتزايد الاستثمارات في غير ذلك من أشكال البنية الأساسية الاجتماعية. ولكن على الرغم من التحديات الكبيرة، فهناك خيارات معقولة وممكنة لتنمية الآليات اللازمة لتوليد التمويل للتعليم وضمان القدرة على الحصول على فرص التعليم التي يستحقها كل أطفال العالم. وبنك الاستثمار في التعليم هو على وجه التحديد المكان المناسب للانطلاق على الطريق نحو تحقيق هذه الغاية.

خاص بـ ”الاقتصادية” – السعودية: الجمعة ١١/ ١٠/ ٢٠١٣م

Hits: 0

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *