التعليم الفني.. بين الصورة النمطية والحاجة الضرورية

Views: 32

جريدة الوطن 

سهيلة غلوم بن علي 

كاتبة كويتية تويتر/ suhailagh1 إنستجرام/ suhaila.g.h kwt.events suhaila.g.h@hotmail.com

إن تقدم أي مجتمع وتطوره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى المنظومة التعليمية والتدريبية وبمدى قدرتها على استيعاب المتغيرات المتسارعة على مستوى سوق العمل. ولعل من أبرز الصعوبات التي تواجه النظم التعليمية في الوقت الراهن هو اعتمادها على مسار تعليمي واحد يرتكز على الجانب الأكاديمي النظري على حساب الجانب التدريبي الفني.
ومقابل ارتفاع عدد حاملي الشهادات الجامعية خلال السنوات الأخيرة، واكتفاء سوق العمل بهم، انخفض عدد الفنيين، الذين تزايد الطلب عليهم أكثر من أي وقت مضى. وألقى هذا الاختلال بانعكاساته السلبية على سوق العمل الذي بات في حاجة إلى هؤلاء الفنيين، لتدور عجلته بشكل طبيعي.
هذا، ويتضح مستوى الطالب وتتحدد اتجاهاته التعليمية بعد عشر سنوات من التعليم الأساسي، وفي عمر 15-16 سنة يكون الوقت المناسب لتحديد المسار التعليمي الملائم لمستواه، والتوجه نحو التعليم الأكاديمي أو التعليم الفني، والاختيار بين برامج تدريبية متنوعة تؤهله لأداء أعمال فنية مختلفة كقطاع الطاقة المتجددة والبناء والزراعة وغيرها.
ويلتحق الطالب خلال هذا النظام التعليمي غير التقليدي، بعد موافقته على عقد دراسة بينه وبين المؤسسة التعليمية والشركات المتخصصة في مجاله والعاملة بالسوق، حيث يجمع فيه بين الحصص النظرية في المؤسسة، والبرامج العملية بشكل أكبر في جهة العمل، تحت إشراف مُدربين مؤهلين، لمدة ثلاثة أعوام، وبعدها يحصل على الشهادة الثانوية تعادل شهادة الثانوية العلمية أو الأدبية، تمكنه من العمل مباشرة في نفس مجاله، وبذلك يكون قد اكتسب خبرة أثناء فترة التعليم، وهذا يخدم سوق العمل، ويقلل من النفقات على تدريب العمالة، وإذا ما أراد الاستمرار في التعليم الفني، فبإمكانه الالتحاق بالجامعات التخصصية ومواصلة تحصيله العلمي.
ولو نظرنا إلى التجارب التي خاضتها دول العالم، لوجدنا التجربة الألمانية رائدة في مجال التعليم الفني الذي أصبح ركيزة أساسية من ركائز اقتصادها وتصدير منتجاتها، وعنوانًا من عناوين نجاحها. لذا يجب التخطيط للمستقبل وتأمين قوة عمل مؤهلة وضمان وجود فنيين تسد حاجة سوق الشغل، وإقرار قانون يحمي المهن الفنية من دخول غير المتخصصين للحفاظ على ارتفاع مستوى تلك المهن والخدمات.
إن التعليم الفني لا يلقى في العديد من الدول العربية أهمية، بل ويحمل انطباعًا سيئًا ويرتبط بالصورة النمطية بأن الطالب الذي يسلكه إما أن يكون فاشلًا دراسيًّا أو سيحظى مستقبلًا بمكانة اجتماعية أقل ممن يسلك التعليم الجامعي، لذلك تحرص غالبية الأسر على إلحاق أبنائها بالجامعات، وتشعر بالحرج إذا سلكوا طريقا غيره. لذا يجب تغيير الثقافة السائدة لدى مجتمعاتنا التي تصنف المهن بين راقية وغير راقية، وذلك لن يتحقق إلا بتضافر جهود الجميع، من حكومة ومجتمع مدني وأولياء الأمور ومن خلال رؤية شاملة توازن بين مخرجات التعليم الأكاديمي والفني من جهة وبين متطلبات سوق العمل من جهة أخرى.

Hits: 4