أثر الجائحة على الجامعات

Views: 68

جريدة عمان

الإيكونومست – ترجمة قاسم مكي –

في الأوضاع العادية، تشهد أواخر الصيف في مطارات بلدان العالم الصاعد حشودا من الطلاب المتوترين (في سن الثامنة عشرة) وهم على وشك الانطلاق إلى حياة جديدة في جامعات العالم الغني. هذه الرحلة السنوية لأكثر من 5 ملايين طالب انتصارٌ للعولمة. فالطلاب يشاهدون العالم. والجامعات تحصل على دفعة جديدة من زبائن يدفعون بسخاء. لكن مع وقف الرحلات الجوية وإغلاق الحدود توشك هذه الهجرة أن تكون آخر ضحايا الجائحة.
جائحة كوفيد- 19 تجعل الحياة صعبة للطلاب. فالعديدون منهم عليهم الاختيار بين سمنارات تُبَثُّ في توقيتات غير مريحة إلى حجرات معيشة آبائهم عبر الإنترنت وبين التأجيل غير المريح لدراساتهم حتى تعود الحياة إلى طبيعتها. كما أن الجائحة كارثة للجامعات. فهي لن تفقدها فقط إيرادات ضخمة تحصل عليها من الطلاب الأجانب ولكن سيتوجب عليها أيضا تغيير طريقة عملها لأن الحرم الجامعي ينشر العدوى.
من جهة أخرى، ربما لهذه الكارثة جانب إيجابي. تمكنت الجامعات لسنوات عديدة من مقاومة التغيير الذي يفيد الطلاب والمجتمع بفضل الدعم الحكومي وازدهار الطلب على خدماتها. لكن قد لا يكون في مقدورها الاستمرار في ذلك.
يشهد التعليم العالي ازدهارا. فمنذ عام 1995 ومع انتشار الفكرة الرائجة «بضرورة الحصول على درجة جامعية من مؤسسة تعليمية جيدة» من العالم الغني إلى بلدان العالم الصاعد، ارتفع عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي من 16% إلى 38% في الفئة العمرية ذات الصلة. وضحت نتائج ذلك في فخامة الحرم الجامعي بالبلدان الناطقة باللغة الإنجليزية التي كانت جامعاتها المتميزة المستفيد الرئيسي من طموحات العالم الصاعد.
لكن المتاعب تتراكم. لقد ظلت الصين مصدر الطلاب الأجانب الأثرياء للجامعات الغربية. لكن العلاقات بينها وبين الغرب تسوء. وسيتم حظر الطلاب الذين لهم صلة بالجيش من الدراسة في أمريكا.
كذلك تنقلب الحكومات على الجامعات أيضا. فالرئيس ترامب يهاجمها «لتلقينها الفكر اليساري الراديكالي بدلا عن التعليم». ولدى 59% من الناخبين الجمهوريين فكرة سلبية عن الجامعات في مقابل 18% فقط من الناخبين الديمقراطيين.
وفي بريطانيا، لم تَفِد الجامعاتُ نفسَها بالمعارضة الصاخبة التي أبدتها لفكرة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالنظر إلى أن الدولة تدفع ما بين ربع إلى نصف نفقات التعليم الثانوي في أمريكا واستراليا وبريطانيا عبر القروض والمنح الطلابية من المهم الحفاظ على الحماس الحكومي لدعم التعليم.
مبعث الارتياب (تجاه الجامعات) في أوساط الساسة ليس الكراهية. فالحكومات تستثمر في التعليم العالي لتعزيز الإنتاجية بزيادة رأس المال البشري. لكن في حين تزدهر الجامعات تتدهور الإنتاجية في اقتصادات البلدان الغنية. ويشك ساسة عديدون في أن الجامعات لا تدرس المواد المطلوبة وأنها «تنتج» أعدادا من الخريجين تزيد عن حاجة الأسواق. لذلك ليس من المدهش أن الدولة بدأت في الانسحاب (من تمويل التعليم العالي). ففي أمريكا ظل الإنفاق التعليمي على الجامعات ثابتا في السنوات الأخيرة. وفي أستراليا يتضاعف سعر الدرجات الجامعية في العلوم الإنسانية (الرسوم التي يدفعها طلاب الدراسات الإنسانية). لكن سعرها سيهبط في المواد التي تعتبرها الحكومة جيدة للنمو (الاقتصادي).
وهنالك تساؤلات حول فوائد التعليم الجامعي للطلاب أيضا. نعم علاوة الخريج كافية في المتوسط لإضفاء قيمة مالية للشهادة الجامعية. (علاوة الخريج هي الزيادة في الأجر التي يحصل عليه الخريج بعد التحاقه بالعمل ويفترض أن تمثل التعويض المالي للجهد الذي بذله للحصول على الشهادة الجامعية – المترجم). لكن ذلك ليس صحيحا بالنسبة لكل خريج. ففي بريطانيا وبناءً على حسابات معهد الدراسات المالية سيكون حوالى 20% من الخريجين أفضل حالا لو أنهم لم يلتحقوا بالجامعات إطلاقا. وفي أمريكا لا يتخرج أربعة من بين كل عشرة طلاب بعد ست سنوات من بداية دراستهم الجامعية. أما أولئك الذين يتخرجون فإن علاوة أجورهم تتقلص. وحول العالم ككل يتزايد التحاق الطلاب بالجامعات. لكنه تدنَّى في أمريكا بنسبة 8% في الفترة بين عام 2010 وعام 2018.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19. وعلى الرغم من أن أوضاع الانكماش الاقتصادي غالبا ما تعزز الطلب على التعليم العالي لأن ضعف فرص الحصول على الوظائف تحفز على السعي للحصول على مؤهلات إلا أن إيرادات الجامعات قد تتراجع. وتؤدي الضوابط الحكومية بجانب توترات الطلاب إلى انخفاض أعدادهم. ففي الشهر الماضي ذكرت إدارة ترامب أن الطلاب الأجانب الجدد لن يُسمح لهم بدخول الولايات المتحدة إذا تحولت دراستهم إلى الإنترنت. وتعتمد أربعة جامعات أسترالية كبرى هي سيدني وملبورن ونيوساوث ويلز وموناش على الطلاب الأجانب في تأمين ثلث دخلها. ويتوقع معهد الدراسات المالية أن تتجاوز خسائر الجامعات الإنجليزية ما يساوي ربع إيراداتها السنوية.
هذا وتعني الخسارة الناجمة عن كوفيد 19 أن الجامعات في الأجل القصير على الأقل ستكون أكثر اعتمادا على الحكومات قياسا بأي وقت مضى. ويقدر المعهد أن 13 جامعة في بريطانيا مهددة بالإفلاس.
على الحكومات مساعدة الجامعات. لكن عليها تفضيل المؤسسات التعليمية التي تقدم نوعية جيدة من التدريس والأبحاث أو تفيد مجتمعها. أما تلك التي لا تستوفي أيَّا من هذه المعايير فيجب تركها لمواجهة مصيرها.
وعلى تلك الجامعات التي تنجح في البقاء أن تتعلم من الجائحة. لقد قاومت في معظمها حتى الآن وخصوصا تلك التي تحتل قمة سوق التعليمَ الإلكتروني (تحويلَ الدورات الدراسية لطلاب الشهادة الجامعية إلى الإنترنت). وذلك ليس لأن «التدريس عن بُعد» سيئ بالضرورة (ثلث الطلاب الجامعيين درسوا كل مقرراتهم عبر الإنترنت في العام الماضي). ولكن لأن فكرة الجامعات والطلاب عن التعليم الجامعي تعني قضاء ثلاث أو أربع سنوات من الدراسة في الحرم الجامعي. لقد كان الطلب على خدمات الجامعات قويا بحيث لم تكن لديها حاجة للتغيير.
لكن الآن يُفرَض عليها التغيير فَرضا. يرجح أصحاب مبادرة الأزمة الجامعية بكلية ديفيدسون أن يتلقى الطلاب في أقل من ربع الجامعات الأمريكية كُل أو معظم دروسهم حضوريا خلال الفترة الدراسية القادمة.
إذا استمرت هذه الطريقة في التدريس سينخفض الطلب على الدراسة الجامعية. فالعديد من الطلاب يشترون خبرة الجامعات ليس فقط لتعزيز قدرتهم على الكسب المادي ولكن أيضا للابتعاد عن آبائهم وعقد صداقات والبحث عن زوجات وأزواج المستقبل. لكن على الجامعات أيضا خفض التكاليف بمنح الطلاب خيار الدراسة مع البقاء في البيت.

Hits: 32