دور التعليم العالي في تنمية مهارات الخريجين

Views: 17

عمان: تدفع التحديات الدولية والمنافسة القوية أصحاب العمل إلى توظيف خريجين ذوي مهارات عالية لنمو أعمالهم، ويحتاج الخريجون مهارات أساسية منها الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، ومبادئ المحاسبة وحل المشاكل، ومهارات العمل الجماعي، والمعرفة العامة بالمبادئ الأساسية لإدارة الأعمال. إن التكامل السليم لتعزيز مهارات التوظيف يتمحور في مجموعة من العوامل منها هيكلية المناهج الدراسية، والتطبيق العملي الفعال في البيئة التدريسية وهي لا تزيد من عامل التوظيف فحسب، بل يمكن أيضاً أن تمكّن الخريجين من اكتساب المهارات التي يعتبرها رؤساء قطاع الشركات ضرورية.
يتعلم الطلاب عادة نوعين من المهارات خلال سنواتهم الأكاديمية – الفنية وغير الفنية. تشير المهارات الفنية إلى المعرفة الخاصة بالمحتوى والتي تعد ضرورية للعمل في مجال معين مثل تكنولوجيا المعلومات أو علم النفس أو العلوم الإدارية، في حين أن المهارات غير الفنية هي مهارات أو سمات تعتبر ضرورية لجميع الوظائف أو المهن والمعروفة باسم مهارات التوظيف. ومنها مهارات التواصل وحل المشكلات وصنع القرار ومهارات التعامل مع الآخرين والعمل الجماعي والقيادة وهذه المهارات مفيدة لجميع الوظائف والمناصب بمختلف مستوياتها.
وفقًا لما أشار إليه الباحثون ومنهم بيكر (2013) فإن أصحاب العمل يبحثون عن خريجين أكفاء أتقنوا القدرات غير الفنية أو مهارات التوظيف ويقدّر أغلبية أرباب العمل بشكل عام مهارات التوظيف العامة على المهارات المهنية (الفنية) المحددة. وهنا تأتي أهمية دور ومسؤولية مؤسسات التعليم العالي في تطوير مهارات توظيف الخريجين، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الطرق التعليمية المختلفة واعتماد اكتساب المهارات الوظيفية لدى الطلبة كهدف تعليمي واضح من خلال تعزيز مشاركة الطلاب في الأنشطة المختلفة وخاصة المجتمعية منها، إضافة إلى استمرار تقييم مستوى الطلاب في تلك المهارات خلال فترة دراستهم لضمان إتقانهم لتلك المهارات عند تخرجهم.

ويمكن تعزيز العلاقة بين أصحاب العمل والخريجين من خلال خلق بيئة تمكينية في الكليات والجامعات توفر للخريجين مثل هذه المهارات، التي يحتاجها القطاعان العام والخاص. وقد ذكر ساكسينا (2013) وهو أحد الباحثين أن البيئة التمكينية تركز على مجموعة من المكونات منها التواصل والتفاعل بين الطلبة وموظفي الجامعة أو الكلية، وأهمية تفاعل بيئة العمل، إضافة إلى وجود استقلالية مناسبة للهيئة الأكاديمية وكذلك الطلبة والموظفون لتحقيق نتائج فعالة، وأيضا ضرورة التعاون المجتمعي من أجل تعزيز البحث والإبداع.
إن مزيجا من هذه العوامل يؤدي إلى إمكانية زيادة إمكانية التوظيف ويعتبر أداة فعالة للتعلم مدى الحياة، وهو الهدف النهائي لكلا القطاعين. كما اقترح ليرنر وسيمون (2014) وهما أيضا باحثان دوليان نهجا آخر لزيادة إمكانية التوظيف وهو إشراك قطاعات المجتمع المحلي، ولا سيما المنظمات الاجتماعية وغير الحكومية لتوفير فرص مبتكرة لتعزيز مهارات الخريجين بالتعاون مع الجهات التشريعية لتحقيق ذلك.
ومن الجدير بالذكر أنه يتوجب على الطلاب أن يكونوا على دراية تامة بتوقعات أصحاب العمل ومتطلبات المهارات المختلفة مثل تقنيات حل المشكلات والعمل الجماعي ومهارات الاتصال لتأمين الوظائف بعد التخرج. وتشير النتائج المستخلصة من دراسات لسوق العمل إلى أن الخبرة المطلوبة في العمل تأتي من خلال الدورات التدريبية في الجامعة أو الكلية ومشاركة أرباب العمل في تصميم الدورات وتقديمها ما يسهم في تحقيق نتيجة إيجابية للغاية لتطوير مهارات التوظيف تؤهل الخريجين للعمل مهنيا في بيئات عمل متغيرة وفقا لما أكدت عليه اللجنة الوطنية البريطانية في تحليلها لأهمية مهارات التوظيف في الكليات والجامعات.

وتعزيزا لأهمية تنمية مهارات الخريجين المهرة لتلبية متطلبات القطاع العام والخاص فقد انتهجت عدد من الجامعات في جميع أنحاء العالم، مثل جامعة لوتون الواقعة في جنوب شرق إنجلترا أساليب وطرقا متعددة لتحقيق ذلك الهدف. حيث صممت الجامعة دورات جديدة بعد التشاور مع أصحاب العمل، وأدرجت المعرفة في التخصص والمهارات القابلة للنقل من أجل المستقبل المشرق لخريجيها الذين سيتمكنون من التكيف مع بيئة العمل الحقيقية. وتبنت الجامعة خطة مفصلة لبناء مهارات الطلاب تدريجياً لكي يتقن كل طلابها مهارات مختلفة خلال فترة وجودهم مع الجامعة. وتشمل المهارات الأساسية مهارات التعامل مع المعلومات، ومهارات الاتصال وحل المشكلات من خلال الاستفادة من المعرفة والإبداع. وقد نجحت مبادرة لوتون للمهارات في عام 1994 بفضل الدعم والالتزام الكاملين من جانب الإدارة العليا في الجامعة وفريق إداري قوي يضمن المشاركة والالتزام الكاملين لجميع الإدارات.
اتبعت كلية الفرنو وهي كلية ليبرالية للنساء تقع في الولايات المتحدة الأمريكية نفس التجربة لتقوية مهارات التوظيف وكانت النتائج إيجابية. فقد تم تصميم دورات الطلاب وفقا للمعايير الدولية لمهارات الاتصال، ومهارات التفكير التحليلي والنقدي، والمنظورات العالمية، ومهارات حل المشاكل، والمواطنة الفعالة، وتقدير القيمة في سياق صنع القرار، والاستجابة الجمالية، والتفاعل الاجتماعي. والنتائج التي تحققت هي نتيجة تفاني والتزام أعضاء هيئة التدريس لتمية مهارات الخريجين. وقد أنشأت كلية ألفرنو نظام تقييم مستمرا قبل وبعد نقل المعرفة لكل مهارة مع التغذية المرتدة العادية ولوحظ تحسن ملحوظ في تعلم وتعليم المهارات. كما أنشأت الكلية مجلساً لمكتب البحوث والتقييم التعليميين مع أعضاء من هيئة التدريس والإداريين من مختلف الأقسام لتقييم إنجازات الطلاب واكتسابهم مهارات مختلفة بمستوى الارتياح المطلوب. كما تواصل الكلية جهودها لتحسين استراتيجياتها لتوفير التعليم الجيد لطلابها من خلال العمل مع الطلاب، والتعاون مع المدارس الوطنية ومؤسسات التعليم العالي الدولية وكمثال آخر فقد طورت جامعة نابير باسكتلندا ثقافة التعاون وتحليل نظام التعليم العالي مع أصحاب العمل يهدف إلى تقييم احتمالية إمكانية التوظيف وفقا للتغيرات العالمية والطلب الصناعي حيث صُمم النظام بشكل احترافي لتحقيق نتائج جوهرية وموثوقة. وبفضل المهارات المتخصصة في البيئة التعليمية نجحت الجامعة في وضع أساليب لتطوير وتقديم مهارات عامة، وتنفيذ وتقييم مبادرات مجموعة الأدوات واستراتيجية لرسم المسار التدريجي لتعزيز المهارات الرئيسية في جميع السنوات الأكاديمية.
إن تفاني أعضاء هيئة التدريس الأكاديميين، ووعي الطلاب ومساهمة أرباب العمل في توفير المعلومات حول المهارات المطلوبة بشكل كبير يساهم بشكل كبير في إيجاد خريجين مؤهلين وجاهزين لسوق العمل وقد نجحت جامعة لونجونج في أستراليا من خلال تطوير علاقة مباشرة بين المهارات القابلة للتحويل وجودة الخريجين و تم تطوير مهارات قابلية التوظيف من خلال مشاركة المسؤولية مع أصحاب المصلحة فيما يتعلق باختيار مهارات الخريجين وشرحها في المنهج الدراسي، وجمع البيانات حول قدرات الطلاب على تعلم هذه المهارات، وتطوير البرامج المستمرة.

بالاطلاع على نتائج بحث ميداني حول جودة الخريجين والمهارات الوظيفية في عمان انتهى رأي بعض مديري الموارد البشرية العاملين في القطاعين العام والخاص أن الجامعات والكليات تتعرض لضغوط للاستجابة لمتطلبات السوق ولتوفير خريجين مؤهلين ولديهم المهارات الضرورية المناسبة لسوق العمل ويرى هؤلاء المديرون أن جودة برامج الجامعات والكليات تعتمد على وجود محاضرين إيجابيين لديهم الحافز للقيام بعمل جيد ولعب الدور المحفز في تثقيف وترقية المعارف العامة للطلاب و أن الجودة والمهارات والخبرة هي قضايا مهمة تتعلق بأصحاب العمل في كل من القطاعين العام والخاص.
كما يعول مديرو الموارد البشرية على صانعي السياسات المحليين ومجتمعات الأعمال أن يساهموا عمليا في رفع جودة التعليم العالي في مؤسسات التعليم العالي ودعم برامج تطوير المهارات المختلفة التي تقدمتها. وكذلك المساهمة في إيجاد بيئة تمكينية لتعزيز وتقوية مهارات التوظيف لدى الخريجين آخذين في الاعتبار أن المهارات الأساسية في المناهج الدراسية التي يجب أن تركز على متطلبات سوق العمل وخدمة المجتمع.
الثقافة والقيادة المؤسساتية ضروريتان لتطوير أنظمة فعالة لتقييم وتحسين مهارات الخريجين، ولكنهما تتطلبان تعاونًا كاملاً والتزاما مؤسسيا يحفز أعضاء هيئة التدريس والموظفين الداعمين الآخرين في المجتمع الأكاديمي.

د. علي بن حمدان البلوشي

Hits: 4