منصات التعليم عن بعُد غيرت وجه التعليم الجامعي في السلطنة

Views: 35

عمان: يا لها من سنة أطلت علينا منذ أشهر قليلة، مرت خلالها بلادنا الغالية بسلسلة من التحديات الجديدة، بدايةً من توديع سلطاننا الحبيب الراحل – طيب الله ثراه- وانتهاءً بمواجهة فيروس جديد تماماً شل حركة أنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. فعلى مدار الأسابيع الأربعة الماضية، انقلب الفصل الدراسي رأساً على عقب بالنسبة لكل من الطلبة والأكاديميين في جميع أنحاء البلاد. ففي مطلع سنة ٢٠٢٠، كنا نخطط كهيئة تدريس، على تعزيز التعليم المدمج (التعليم التقليدي مع التعليم الرقمي او الإلكتروني) في تقديم مناهجنا التعليمية، الذي كان من شأنه أن يعزز و يحفز روح المشاركة عند الطلاب. إلا أنني لم أتصور أننا خلال بضعة أشهر سيكون اعتمادنا كله منصباً على المنصات الرقمية عبر الانترنت ليس فقط لأداء عملنا ولكن أيضاً للحفاظ على روابطنا الاجتماعية. وخلال هذا الحدث، تشارك الأساتذة والطلبة على حد سواء في هذا الميدان التعليمي الجديد، وكلنا نتعلم كيف نتقنه بشكل أكبر يوماً بعد يوم. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، كنا نعمل على مدار الساعة للتأقلم على الواقع الجديد من خلال التركيز على دعم الطلبة ومساعدتهم في التعامل مع الأزمة الراهنة ووضع أنظمة ديناميكية جديدة. لقد تسبب فيروس كوفيد-19 والتباعد الاجتماعي الذي فرضه في ظهور تداعيات ومخاوف مستمرة ومتصاعدة لدينا جميعاً. ففي أول أسبوعين من التعليم الافتراضي أو التعليم عن بعد، أبدى الطلاب عدم تقبلهم للنظام الجديد وعبروا عن أفكارهم وتجاربهم قبل وأثناء الدروس التي تقدم عن بعد. وإني أتذكر الصمت الذي شهدته في أول محاضرة افتراضية أجريتها، بدا الأمر وكأننا نحاول تجاهل ذلك التحول الإلكتروني المفاجئ – كتجاهل الفيل في الغرفة الافتراضية. في البداية، ظن الطلاب أن التعليم الرقمي سيكون أمراً مؤقتاً وأن المحاضرات ستعود إلى سابق عهدها الذي اعتادوا عليه في غضون شهر أو نحو ذلك. وفي تلك المرحلة، كنا نحن الأكاديميين قد تقبلنا الواقع الجديد وبدأنا بالبحث عن أساليب مبتكرة في التدريس للحفاظ على جذب اهتمام الطلاب ومشاركتهم في العملية التعليمية. كما أننا أردنا أيضاً أن نتأكد من أن الطلبة يدركون أننا نعاني مثلهم مع هذا النظام الجديد. و بمرور الوقت أنا وطلابي نحاول التأقلم من خلال ايجاد طرق وأشكال جديدة – وإن كان الانتقال إلى المنصات الإلكترونية قد دفع الكثير منّا الخروج من منطقة راحتهم: بدايةً من الطالبات اللاتي يرفضن فتح الكاميرات للمشاركة في الأنشطة التعليمية بسبب عوامل ثقافية وإجتماعية إلى الأكاديميين الذين يعيدون النظر في معرفتهم بتكنولوجيا المعلومات وانتهاءً بالمديرين الذين يتفاوضون مع شركات الاتصالات لدعم العملية التعليمية. من وجهة نظري أرى أن منصات التعليم عن بعد قد غيرت وجه التعليم الجامعي في عمان تماماً. ففي بداية مرحلة التحول هذه، أذكر أنني كنت أتصفح ما يقال على منصات التواصل الاجتماعي وأقرأ التعليقات السلبية للطلاب. وهذا أعقبه انتقادات من جانب المؤثرين المحليين على وسائل التواصل الاجتماعي والذين وجدوا في هذا التحول بيئة خصبة لجذب المزيد من المتابعين لهم. ولقد أدركت حينها أن دورنا كمعلمين قد توسع ليشمل الاعتراف بأن طلابنا يقعون تحت ضغط نفسي وعاطفي. وبالتالي، أضحت مهمتنا الجديدة هي أن نعمل على تطوير علاقة أكثر قرباً وانفتاحاً مع طلابنا وأن نستمر في البحث عن طرق جديدة لجذب اهتمامهم حتى تستمر العملية التعليمية. وهذه العملية بالتأكيد تغيب عن فهم مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن من كان التعليم هو شغفه فسوف يتفهم أهمية ما نفعله ويدرك مدى صعوبة تطوير وابط شخصية مع الجمهور عبر فضاء رقمي. ولا شك أن هذا كان يمثل تحدياً بالنسبة لي، لدرجة أنني في نهاية كل محاضرة أقدمها عبر الانترنت كنت أتمنى أن طلابي لا يزالون موجودين وينصتون لما أقوله. ولقد أدركت أن الانخراط معهم عبر الانترنت يتطلب قدراً كبيراً من الثقة والجهد. ولذلك، أصبح ديدني الجديد هو الوصول مبكراً وإلقاء التحية على الطلاب بمجرد ظهورهم على الشاشة والتعامل معهم بشكل اجتماعي، وإن سؤالي لهم عن شعورهم جعلهم يشعرون بالراحة والطمأنينة. وأصبح الأمر أكثر أهمية بالنسبة لي أن أكون على سجيتي وأن استشعر ذلك؛ وأحاول ان أجعل الطلاب يشعرون بالراحة والطمأنينة وأسمح لهم بالمشاركة الكاملة في المحتوى العلمي الذي أقدمه. وهذا ينعكس على مقدار التعاطف والثقة الممنوحين للطلبة عند التواصل عبر رسائل البريد الإلكتروني ورسائل المحادثة الافتراضية أثناء الشرح. إن تجربة كوفيد-19 قد أعادت تشكيل مفهوم التعليم العالي في السلطنة وشكل التعليم في القرن الحادي والعشرين. حيث أن هذه الجائحة تجبر كل من الحكومة والأكاديمين والطلاب على التفكير بشكل مختلف ونقدي وإبداعي وأن يتحلوا بالمرونة. كما أن هذه الأشهر الماضية قد كشفت أن ثمة طريقة أخرى لطالما كنا نتجاهلها – وهي طريقة التفكير خارج الصندوق، حيث يصبح الانفتاح والإبداع والابتكار هم سبيل التقدم. قبل هذه الجائحة كانت فكرة التعليم الرقمي أو التعليم عن بعد غير محبذة عند صناع القرار، وكان هذا يتجلى في عدم الاعتراف بأي مؤسسة تعليمية تعتمد على التعليم عن بعد. إلا أنه مع وجود هذا الفيروس، قد تلاشي ذلك الروتين برمته وبات صناع القرار الآن يبحثون عن حلول مبتكرة لم تكن محبذة في السابق. ففي زمن الفيروس، انتقلت المسؤولية الى الطلاب و بدأوا يتحكمون في تعليمهم بأنفسهم ويفهمون كيف يتعلمون بشكل أكبر وماذا يفضلون ومتى وما هو الدعم الذي يحتاجونه. فأصبحوا يطلبون اجتماعات افتراضية مع مشرفيهم ومدرسيهم ويعملون على تخصيص أوقات تعليمهم، حتى وإن لم تستجب الأنظمة من حولهم لذلك الأمر. أنا أؤمن بأن التغيير الحقيقي يولد من رحم الأزمات العنيفة، وهذا المارد لا يمكن إعادته إلى القمقم مرة أخرى. فعندما تمر عاصفة الفيروس هذه، فإن بعض مؤسسات التعليم العالي ستتغير جذرياً جراء هذه التجربة، والبعض الأخر ربما يعود لما كان عليه سابقا. وبالرغم من ذلك، فإن العالم الذي نعيش فيه، بتحدياته الراهنة التي تتسم بارتفاع معدلات الباحثين عن عمل واحتمالية حدوث ركود اقتصادي، سوف يتطلب وجود المزيد من الابتكار والإبداع والتكنولوجيا في قطاع التعليم العالي والمدرسي العماني. ربما يكون التعليم العالي في عمان بطيء التغير، إلا أنني أثق تماما بأن اقتصاد ما بعد فيروس كورونا وأن صناع القرار العمانيين الشباب النابهين سوف يفرضون تغييراً جديداً ومستقبلاً أكثر إشراقاً للقيادة نحو الثورة الصناعية الرابعة.

د. عمار البلوشي

Hits: 3