«التعلم عن بُعد»..مجتمعات معرفية تغزو الأزمات

Views: 13

الخليج: نعم «استثنائية» هي إجازة الربيع للعام الدراسي الجاري، نجدها مختلفة في الشكل والمضمون، مقارنة بإجازات الأعوام الماضية، فالميدان التربوي خلية نحل تعمل عناصرها بلا توقف؛ إيذاناً بتطبيق «التعلم عن بُعد» في 22 مارس/‏‏آذار الجاري، ذلك الوافد الجديد الذي يشكل محطة جديدة في تاريخ بناء الأجيال في الإمارات في وقت أكد خبراء وتربويون ومعلمون وأولياء أمور، أن «التعلم عن بُعد» مجتمعات معرفية تغزو الأزمات، ومنابر للعلوم تتصدى للكوارث الطبيعية، ومهما كانت الأسباب والتداعيات التي دفعت به إلى الميدان التربوي، إلا أنه يشكل أحد مظاهر تطوير التعليم في الإمارات؛ إذ يشكل قفزة جديدة في نظام تعليم الأبناء، ويواكب في مضمونه النظم العالمية التي حققت الاستدامة.
ما ماهية «التعلم عن بُعد»؟ وكيف تتوزع الأدوار والمهام تحت مظلة تلك المنظومة الجديدة؟ وما مدى تأثيرها على الطلبة ومستوى التحصيل العلمي وتحقيق التميز؟ وما أبرز النتائج المتوقعة في مخرجات تلك المنظومة؟
«الخليج» تناقش مع القيادات وخبراء التعليم، وأهل الميدان التربوي المفاهيم الجديدة لهذا النوع من التعلم، في محاولة لإيجاد إجابات وافية عن تلك التساؤلات التي تشغل الأذهان في الميدان، والوقوف على ماهية «التعلم عن بُعد»، وفوائده ومخرجاته.

حقبة جديدة

البداية كانت مع تصريحات وزير التربية والتعليم حسين بن إبراهيم الحمادي، الذي أكد أن «التعلم عن بُعد»، يشكل حقبة جديدة في مسيرة التعليم في الدولة، يواكب في مضمونه النظم العالمية التي جعلت التعليم متاحاً للطلبة في مختلف الظروف والتحديات.

وأكد أن تطبيق «التعلم عن بُعد»، جاء في خطوة احترازية، من شأنها توفير بيئة صحية للطلبة والمعلمين، وعليه تم تقديم إجازة الربيع التي تبدأ، اليوم الأحد، وتستمر حتى 19الجاري، وتعليق حضور طلبة المدارس ومؤسسات التعليم العالي كافة، لأربعة أسابيع، والعمل بمبادرة «التعلم عن بُعد» في 22 الجاري، وفقاً للجدولة الزمنية المعتمدة مؤخراً.
وحول المرحلة التجريبية التي شهد تطبيقها الميدان على الحلقتين الثانية والثانوية، أكد أنها أثمرت نجاحاً لافتاً لمبادرة ‹›التعلم عن بُعد››، واستنهضت طاقات الطلبة والكوادر التعليمية المميزة والمخلصة، وجسّدت مشهداً متميزاً من العطاء، بإمكانه بلوغ صروح المجد والعلا، وتجاوز التحديات كافة.
ماهية الوافد الجديد

‏وفي محاولة للوقوف على ماهية «التعلم عن بُعد»، التقينا مع خالد عبد الحميد المستشار التربوي بموسوعة التكامل العربي الإفريقي، الذي أكد أنه يوفر للطالب أدوات تزيد فاعليته ومناخه الإبداعي للتعلم، والتواصل والمشاركة والتحفيز والبحث، معتبراً إياها عوامل مهمة في زيادة الدافعية للتعلم والدراسة، فضلاً عن تعزيز مسؤولية التعلم الذاتي لدى الطلبة؛ حيث إن 75% من المجهود من نصيب الطالب، و25% من نصيب المدرسة، كما أنه يُمكن المتعلمين من البحث عن المعلومة، وتقيّمها وتحليلها، فضلاً عن مهارات تنظيم الوقت، مما يعزز كفاءته وقدراته التعليمية.
وأوضح: إن «التعلم عن بُعد»، يتسم بالشمولية والتكاملية؛ إذ يجمع جميع عناصر العملية التعليمية؛ (الطالب والمعلم والإدارة المدرسية وولي الأمر)؛ حيث جعل لكل منهم دوره المنوط به، كما أوجب عليه واجبات ينبغي القيام بها؛ لتحقيق نتائج متميزة في المخرجات، فالمحتوى العلمي والشرح وخطة الدرس تقع على عاتق المعلم، وبيئة تلقي العلوم والمعارف من نصيب الأسرة التي تُعنى بالمتابعة والراقبة على الأبناء؛ لضمان التزام الطالب.

مراقبة ومتابعة

وفي وصفه لبيئة «التعلم عن بُعد»، أكد أنها مجتمعات لتبادل العلوم والمعارف، تشبه في مضمونها الفصول التقليدية التي تجمع الطالب والمعلم، في وقت رصد 14 سمة لتلك البيئة، تضم المشاركة المباشرة للأنظمة والبرامج والتطبيقات، وإرسال الملفات وتبادلها بين المعلم وطلبته، ومتابعة المعلم وتواصله مع الطلبة في آن واحد، واستخدام برامج العرض الذكية، والأفلام التعليمية، وتوجيه الأسئلة المكتوبة، والتصويت عليها، وأوامر المتابعة لما يعرضه المعلم للطلبة، وإرسال رابط لأي متصفح لطالب واحد أو لجميع الطلبة، والسماح للطالب بالدخول والخروج من الفصل، والسماح بالطباعة، وتسجيل المحاضرة «الصوتية والكتابية».

مرونة وتشويق

وفي وقفة مع ريهام فاروق السيد، الاختصاصية في التعليم التفاعلي، ركزت على أهمية دور المعلم في إدارة وقت الحصة، وتوجيه الطلبة، وتوظيف الوسائل الذكية في جعل العملية التعليمية أكثر مرونة وتشويقاً بين طلبة الفصل الدراسي الواحد، لاسيما في المواد العلمية التي تضم العلوم العامة، والكيمياء والفيزياء والرياضيات؛ إذ إن هناك ضرورة لوجود المعلم ودوره الفاعل في شرح المحتوى العلمي، وتمكين الطلبة من تلك المواد، والارتقاء بمستوياتهم وتحصيلهم الدراسي.
وحددت 13 مهمة للمعلم في الفصول الافتراضية؛ أهمها: إعداد أساليب التقييم التي تستخدم لتقدير مدى تحقق أهداف المادة العلمية، وتحصيل الطلبة، وتنظيم بيئة التعلم وجعلها مريحة وغير مهددة وتعاونية، وتحديد قواعد السلوك المتبعة بها، ومتابعة حضور الطلاب وتقدمهم الدراسي، وتشجيع الطلبة على الانخراط في العملية التعليمية، وتقديم التغذية الراجعة على أدائهم فيها.
وأضافت: إنه ينبغي أن يكلف المعلم الطلاب بالقيام بالتدريبات والأنشطة والمشروعات، وتنظيم التفاعل والنقاشات الصفية، والسماح بالمحادثات الخاصة بينه وبين أحد طلابه أو بين طالب وآخر، والتركيز على المناقشات التي تنمي التفكير لدى الطلبة، وإرشاد الطلاب لمصادر التعلم الإضافية على الشبكة، وتقييم كفاءة المتعلمين، والمقرر وتطويره، فضلاً عن كفاءته وكفاءة مساعديه في مباشرتهم لمهامهم.

مهام الطالب

وفي مكالمة هاتفية معها، حددت التربوية حصة الطنيجي عضو مجلس إدارة جمعية المعلمين في الإمارات، 10 مهام للطالب في فصول «التعلم عند بُعد»، تضمنت أهمية الاطلاع على أهداف الدروس والمقررات التي يسعى إلى تحقيقها، ومتابعه الدروس، وعدم الانشغال بما حوله، والالتزام بقواعد السلوك المقترحة خلال المرحلة، والقيام بحل التدريبات والأنشطة والمشروعات، والمشاركة في النقاشات والحوار، والاطلاع على مصادر التعلم الإضافية على الشبكة.
وقالت: إنه بصرف النظر عن مسببات الاعتماد على هذا النوع من التعليم حالياً، ف«التعلم عن بُعد»، «سيد الموقف» الآن، وعلى الجميع التكاتف، لاسيما أن الثورة الصناعية الرابعة جاءت، وأفرزت الذكاء الاصطناعي الذي يعد أهم مخرجاتها، ليطور في مفاهيم التعليم، ويغيّر في المشهد بين فئات المجتمعات التعليمية؛ إذ إن الطفرة التكنولوجية، التي يشهدها العالم تزامنت مع عمر طالب اليوم، وأثرت في أسلوب حياته، ما فرض علينا مواجهة التحديات، وإنشاء جيل لا يقل عن أقرانه علمياً وتقنياً، وهنا تكمن أهمية «التعلم عن بُعد» الذي يحقق استدامة التعليم، ويرتقي بمستوى المدارس وكوادرها، وبيئتها وجودة خدماتها ومخرجاتها التعليمية، ويحرر النظم التعليمية من التقليدية؛ للحصول على مخرجات تعليم عالية المواصفات.

مهام جديدة

وفي لقاء مع عدد من أولياء الأمور، أكد أولياء أمور وهم: «مها ثابت، منى عبد الله، ومحمد عبدالتواب، ومحسن علي، وحمدان البلوشي» أن «التعلم عن بُعد»، أفرز مهام جديدة للوالدين، جعلت دورهما أكثر عمقاً في عملية تعليم أبنائهم، فالتعلم في المنزل يرمي بمسؤولية جديدة على أولياء الأمور؛ لمساعدة أبنائهم في أداء الأنشطة التعليمية كالواجبات المدرسية، المذاكرة، القراءة، البحث، وعمل المشاريع والتجارب، وتقديم الدعم التعليمي الكافي، لاسيما أن تعليم الأبناء داخل المنزل يضع الوالدين في مهمات تعلمية لا ترتبط بشكل مباشر بالتعلم المدرسي الرسمي.
وأضافوا: إن مهام ولي الأمر تركز على توفير بيئة داعمة للتعلم، يقوم فيها الوالدان بالإشراف على تعليم الأبناء، ودعمهم في الجوانب الأكاديمية، فضلاً عن دعم تعلم مهارات حل المشكلات والتفكير الناقد في المواقف اليومية المتعلقة بالحياة، وتوفير فرص وأنشطة تعليمية تعزز ما تعلمه الأبناء خلال محاضرات «التعلم عن بُعد»، من خلال الدروس الإضافية الخاصة، والاشتراك في برامج تعليمية مسائية لتعلم لغة أخرى أو تعلم استخدام الحاسوب وما شابه.

تغيير جذري

أفاد عدد من طلبة المرحلتين «الثانية والثانوية» الذين خاضوا في الأمس القريب تجربة «التعلم عن بُعد»، بأن هذه النوعية من التعليم، تعد تغييراً جذرياً في مفهوم العملية التعليمية؛ إذ يسهم في ارتفاع نسبة التركيز لدى الطلبة، ويركز على التفاعل وعرض التجارب، والانضباط والمرونة في عرض وتلقي العلوم والمعارف في مختلف المواد الدراسية.

الدوام المرن

على الرغم من إشادتهن ب«التعلم عن بعد»، والأهداف التي وجد من أجلها، طالب عدد من الأمهات العاملات في مختلف المجالات، منهن «ياسمين محمد، ومهرة آل علي، وشما حمدان، ومنى الأحمدي، وشروق يوسف، وسارة مصطفى»، بأهمية تطبيق سياسة الدوام المرن لموظفات في القطاعين «الحكومي والخاص»، خلال ساعات دراسة الأبناء عبر النظام التعليمي الجديد.
وقلن ل«الخليج» إن مواعيد الدوام حالياً، تعد أكبر التحديات التي تواجه الأمهات العاملات، نظراً لعدم وجودهن في وقت تعلم أبنائهن عن بعد، لاسيما صغار السن الذين يدرسون في المرحلة الأولى التي تضم الصفوف من 1-3.

دور حيوي للإدارة المدرسية

أفاد التربوي وليد فؤاد لافي، بأن الإدارة المدرسية تلعب دوراً مهماً في مراقبة ومتابعة تلك العملية، عن بُعد، ورصد نتائجها بكل شفافية ووضوح، والوقوف على نقاط الضعف، والعمل على معالجتها وفق خطط ومنهجيات تواكب المستجدات في هذا النظم، فضلاً ع`ن برامج تدريب المعلمين، والفنيين؛ للاطمئنان على جاهزية البيئة الافتراضية للتعليم من وقت لآخر؛ لتجنب التحديات التي قد تعوق العملية التعليمية.
وقال: إن هذا النموذج التعليمي يؤكد أن تعلم الأبناء لا يقتصر على المدرسة، ولكن يستطيعون التعلم في سياقات مختلفة؛ من خلال تفاعلهم مع أفراد الأسرة والأصدقاء.

Hits: 2