المدرسة العمانية

Views: 37

الوطن: في الفترة التي سبقت قيام النهضة، كان المجتمع العماني يعاني من مشاكل ومعوقات عديدة وخطيرة، تتمثل في قلة أو انعدام التعليم والرعاية الاجتماعية والصحية والسكن المناسب، وهو ما أدى إلى هجرة العديد من العمانيين إلى خارج الوطن والعيش في المهجر والغربة.
وجاء عام ١٩٧٠ لعُمان بثوب أخضر، ينادي بصوت مخلص: (أيها الشعب .. سأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سُعَدَاءَ لمستقبل أفضل).
فعاد المغترب المهاجر ليلبي النداء، فكان هذا أول درس في المدرسة العمانية، ثقة القائد بالشعب وثقة الشعب بالقائد، ليصبحوا جسدًا واحدًا، يشد بعضه بعضًا .. وتوالت الدروس والعبر لنصف قرن من الزمان.
50 عامًا ونحن نتعلم من قائدنا الملهم جلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ الدروس الواحد تلو الآخر، دروس يعلمها لنا بأقوال .. تعكسها في نفس الوقت الأفعال، فكان ـ رحمه الله ـ قدوة للجميع، الصغير قبل الكبير.
فقد قال يومًا:(يا أبناء وطني ..الدرب شاق وطويل ولكن بالجهد والمثابرة سوف نصل إلى هدفنا بأسرع وقتٍ بإذن الله ..).
وهنا تمثلت ثقة القائد بربه وبهدفه وحبه لشعبه ووطنه، فاشتغل العماني بكل حب ووفاء ليحقق الرؤية.
50 عامًا .. اهتم القائد ـ رحمه الله ـ ببناء الإنسان وأنشأ المدارس والجامعات ليعلمنا أن النهضة والنجاح لا تكون إلا بعقولٍ متعلمة منفتحة على المعرفة والتطور والحضارة، فاجتهد العُماني في طلب العلم والمعرفة لبناء الذات والوطن.
50 عامًا .. احتفظت عُمان خلالها بعلاقات جيدة مع كل دول العالم، وانتهجت سياسة (صديق الجميع) للتركيز على العلاقات الطيبة في كافة المجالات مع كافة الدول.
فكان درسًا رائعًا للإنسان العماني في كيف يكون علاقات صداقة قوية مع الجميع في الداخل والخارج.
تشرق الشمس ذات يوم على عُمان، ويأتينا صوته قائلًا:(إن الشباب المتشوق إلى آفاق المجد، مدعو اليوم إلى أن يتخذ من أجداده الميامين قدوة طيبة في الجد والعمل والصبر والمثابرة)، فلبَّى الشباب النداء متمسكين بالجد والعمل والسير قدمًا على طريق الأجداد.
لقد أكد سلطان القلوب ورجل السلام الراحل قابوس بن سعيد ـ رحمه الله ـ على أن التعليم يجب ألا يبقى وسيلة لتثقيف الفرد فقط، بل يجب أن يُعنى أيضًا بتكوين شخصيته حتى تلعب عُمان الدور الذي يليق بمكانتها بين الأمم، فتكونت شخصية العماني عن ثقة وقناعة ليكون له ذلك الدور المرموق في العالم.
لقد اعتبر السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ السلام مذهبًا أساسيًّا، آمن به، ومطلبًا رئيسيًّا سعى إليه دون تفريط أو إفراط، فنال بحق لقب (رجل السلام)، وأصبح أبناؤه رجال سلام في كل مكان، لأنهم لا يعرفون إلا السلام.
لقد كان ـ رحمه الله ـ رجلًا حكيمًا، وضع نصب عينيه دائمًا خدمة بلاده، وراحة ورفاهية مواطنيه، وعمل بعزيمة لا تعرف الكلل أو الملل مستمدًّا قوته من توفيق الله تعالى، ومن القيم والتقاليد العُمانية الراسخة في كل عُماني.
ومثلما حملت حياته العديد من الدروس والعبر والمواعظ، كان في مماته أيضًا درس وعبرة لكل من يعتبر، فقد جاء فجر يوم السبت الحادي عشر من يناير 2020، حاملًا نبأ الوفاة، وفاة الأب ..
القائد .. رجل السلام .. سلطان القلوب.
فكان وقع الصدمة على الجميع فوق الاحتمال، انكسرت القلوب..
ودمعت العيون .. ولكن الجميع راضٍ بقضاء الله سبحانه وتعالى، فنطقت الألسنة بـ(إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون).
لكن سرعان ما انتفضت ربوع سلطنة عمان جميعها بحالة طوارئ لتوديع قائد المسيرة، الذي ذهب عن دنيا البشر، بعد أن وضع عُمان على الطريق، وجعل الأرض تحت أقدام أبنائها قوية مستقرة، ورسم لها مسارها إلى المستقبل المشرق، وأوصى أسرته بالسلطان الجديد الذي توسم فيه الحب والإخلاص والقدرة على استكمال المسيرة، فصفق العالم بأسره لحضارة عُمان، وقدرتها على الانتقال الرائع للسلطة في ساعات قليلة، بكل رضا وقناعة وحكمة واحترام من قبل مجلس الأسرة الحاكمة، ومبايعة أبناء عمان جميعًا، وعاش الشعب لحظات صعبة .. عاش أبناء قابوس ـ رحمه الله ـ لحظات قاسية .. وهم يتابعون مراسم الجنازة .. والصلاة على القائد والأب وهو مسجى في كفنه ملفوفًا بعلم بلاده التي آمن بها وعاش عمره من أجلها، وها هي عمان عن بكرة أبيها، تخرج لوداعه، تبكيه بكل الحب .. تبكيه بكل الصدق .. وتشد في نفس الوقت على يد من تولى المسؤولية من بعده .. تبارك له ثقة القائد ـ رحمه الله ـ فيه .. وتشكر مجلس الأسرة الحاكمة على تثبيت اختيار القائد، والرضا بمن ارتآه صالحًا للحكم من بعده، مع الدعوات له بالتوفيق .. والعون على حمل الأمانة .. وتنتهي المراسم .. والبيوت حزينة .. والشوارع باكية .. والسماء تمطر على غير عادتها .. لفراق قابوس السلام..
حكيم الزمان المعاصر .. ورائد النهضة العمانية المباركة..
تبكي السماء .. فاستبشرت قلوب العمانيين بقدوم مبارك لسلطان جديد يحمل بين يديه الكثير من الآمال لمستقبل أبناء عمان ..
اللهم وفقه لما يرضيك يا رب العالمين.

محفوظة بنت راشد المشيقرية

Hits: 20