أثر المعرفة المفاهيمية للمعلم في تدريس الرياضيات

Views: 86

تعليم جديد: فرضت التطوراتُ المعاصرةُ تغيراً في المنظور العام لتعليمِ الرياضيات، فلم يعد الهدفُ منْ تعليمها مجردَ تنمية مهارات إجراء العملياتِ الحسابيةِ، أو حلّ مسائل مجردة لا تمت للواقع بصلة دون روابط بينها وبين هذا الواقع وفقًا للنظرة التقليدية، بل أصبح الهدف من تعليم الرياضيات إكساب المتعلمين التفكير والفهم الصحيح، بما يُنَمِّي قدراتهم على حل ما يواجههم من مشكلات في بيئتهم. وتتفق الأدبيات التربوية على أهمية دور المعلم في التدريس، وأنَّه العامل الحاكم في نجاح عمليتي التدريس والتعلم أو فشلهما، حيث تتوقف كفاءة المعلم إلى حد كبير على معارفه ومهاراته في التدريس، وأصبح السؤال: “ما الذي يجعل شخصًا ما معلمًا جيدًا؟” مطروحًا للنقاش لدى المهتمين بإعداد المعلم وتنميته المهنية.

وافترض شولمان (Shulman, 1983) في هذا الإطار أنَّ المعلم الجيد يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح الإنسان في أي مهنة كانت، وأنَّ الحواسيب الآلية لم تحل محل المعلم، ولم تستطع الأنظمة التلفازية أنْ تستنسخ المعلمين وتُوزعهم على الصفوف، ولنْ تُسيطر عليهم الدروس المكتوبة أو تتحكم فيهم، ولم يستطع أحد تجاوزهم. ورغم أنَّ الباحثين يقومون بدور إيجابي في المجتمع، إلا أنَّ المعلمين وحدهم هم من يتحملون مسؤولية جَعْلِ المعارف والمهارات ميسرة للآخرين. ولتحقيق أقصى استفادة من النظام التعليمي؛ يتطلب الأمر القيام بعملٍ أفضل في إعداد وتقييم أداء المعلمين في جميع المستويات وإعطائهم التقدير الذي يستحقونه. (p 504)

وتُركز مناهج الرياضيات المدرسية على البنية الرياضية، وتنظر إلى المحتوى الرياضي كبناء مُحْكَمِ الترابط والاتصال، ووحدة البناء الأساسية هي المفاهيم، وتُعد المفاهيم أهم أشكال المعرفة الرياضية والأساس الذي تعتمد عليه باقي أشكالها من مبادئ وقوانين ونظريات، وهي التي تُكسبها مرونتها وتُساعد في تنظيمها واستيعابها. وتُعدُّ المفاهيم أكثر ارتباطًا بحياة التلميذ، فإن أدرك التلميذ المفاهيم الرياضية ومعانيها تُصبح الرياضيات ذات معنى وأكثر وضوحًا وفهمًا. وتساعد المفاهيم التلاميذ على التعلم الذاتي، وتُقلل الحاجة لإعادة التعلم عند مواجهة مواقف جديدة، وتُساعد في تنمية استراتيجيات التفكير، وتُسهل عملية الاتصال والتواصل الرياضي، وتزيد من دوافع التلاميذ لتعلُّم مادة الرياضيات، وتُحفزهم للتعمق فيها، كما تساعد المفاهيم على تذكر المعرفة والاحتفاظ بها واسترجاعها (Darey, Terzinha, Peter & Christina, 2012).
ولعل ذلك جَعَل تعلم المفاهيم في سلّم أولويات تعلم الرياضيات وتعليمها ومن أهم أهداف تدريس الرياضيات في جميع مراحل التعليم المختلفة، ومحط أنظار الباحثين والقائمين على تطوير الرياضيات، وهذا ما أكّدته وثيقة المجلس القومي لمعلمي الرياضيات في أمريكا (National Council Teacher of Mathematics NCTM, (2000.

ويعد مصطلح المعرفة المفاهيمية Conceptual Knowledge من المصطلحات الحديثة التي ظهرت في التربية في العقد الأخير من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، والذي جاء موائماً لطبيعة هذا العصر – عصر مجتمع المعرفة – وبصورة أكثر تحديداً ظهر المصطلح مع تراجع النظرية السلوكية من المجال التربوي؛ ليحل محلها نظريات أحدث، وما تبع ذلك من الخروج من إطار تصنيف بلوم (Bloom’s Taxonomy) الأمر الذي ترتب عليه ظهور تصنيفات حديثة للأهداف التعليمية مثل تصنيف أندرسون وكاراثول (Anderson & Krathwohl, 2001) الذي صنف المعرفة في أربع فئات  وهي الوقائعية، والمفاهيمية، والإجرائية، ومعرفة ما وراء المعرفة.

ويشير أندرسون وكاراثول ((Anderson & Krathwohl, 2001 إلى أن المعرفة المفاهيمية هي المعرفة بالفئات والتصنيفات والعلاقات بينها وفيما بينهما، وتتضمن المعرفة المفاهيمية المخططات، والنماذج العقلية، والنظريات الضمنية أو الصريحة في مختلف نماذج علم النفس المعرفي. هذه المخططات والنماذج والنظريات تمثل المعرفة لدى الفرد حول كيفية تنظيم وبنية مادة دراسية معينة، وبيان كيفية ترابط وتداخل الأجزاء المختلفة أو شفرات المعلومات بطريقة أكثر نسقية، وكيف تعمل هذه الأجزاء معاً.

وقد أشار خشان، وقنديل، والنذير، والسلولي (2014) إلى أن المعرفة الرياضية تصنف إلى نوعين من المعارف: معرفة مفاهيمية  (Conceptual Knowledge)،  ومعرفة إجرائية (Procedural Knowledge)، وتتكون المعرفة المفاهيمية من مجموعة علاقات تنشأ داخليًا، وترتبط هذه العلاقات مع الأفكار الموجودة مسبقًا، وتتضمن المعرفة المفاهيمية فهم الأفكار الرياضية والإجراءات، ومعرفة الحقائق الأساسية في الحساب، ويمتلك التلاميذ المعرفة المفاهيمية عندما يكونون قادرين على تحديد وتطبيق المبادئ، ويعرفون ويُطبقون الحقائق والمصطلحات، وقادرين على تحديد أوجه الشبه والاختلاف بين المفاهيم المختلفة.

ويرى زلنيدي وزكريا (Zulnaidi & Zakaria, 2010) أن المعرفة المفاهيمية تتضمن العلاقات التي تجعل أجزاء المعرفة الرياضية جميعها بما تتضمنه من حقائق وتعميمات ومبادئ وقوانين وقواعد رياضية ترتبط فيما بينها بشبكة من الروابط الوثيقة كما تتضمن المعرفة المفاهيمية إنتاج الأمثلة للمفاهيم الرياضية، واستخدام الأشكال والرسومات للتعبير عنها كما تتضمن إدراك التكامل والترابط بين المفاهيم الرئيسية والفرعية، وتحديد المبادئ والقوانين والقواعد المرتبطة بالمفاهيم الرياضية وتفسير العلاقة الكائنة بينهما.

أما المعرفة الإجرائية فتعبر عن المهارة في تنفيذ الإجراءات بشكل مرن ودقيق وفعال، وعلى نحو ملائم (New York state Education Department, 2005). وتُستخدم الخوارزميات للتعبير عن الأفكار والمفاهيم الرياضية، وإدراك العلاقات بين الأداء الكتابي والذهني لها، وكذلك ربط العمليات والإجراءات الرياضية بالمواقف الحياتية، وتوظيفها في مجالات الرياضيات المختلفة، ويجب استخدام الخوارزميات وتنفيذ الإجراءات الرياضية بشكل مترابط ومتسلسل ومنطقي مع تقدير مدى معقولية الإجراءات المستخدمة لحل المسائل الرياضية. (Zulnaidi & Zakaria, 2010)

وتُعّد معرفة المعلم بالمحتوى الرياضي بجزأيه: المعرفة المفاهيمية، والمعرفة الإجرائية من الأمور الأساسية لتعليم هذا المحتوى؛ لأنَّ معرفة المعلم هذه ستنعكس آثارها بالتأكيد على معرفة طلبته (Davis & Thipkong, 1991; Becker & Lin, 2005; Cheng-Yaa, Jerry, Der-Ching, & Tsai-Wei, 2013)

وقد أشار المجيدل واليافعي (2009م) إلى ميل كثير من معلمي الرياضيات لاستخدام الطرق التدريسية التقليدية الَّتي تُركِّز فقط على الإجراءات، وإهمال تعليم المفاهيم؛ مما يولد صعوبة لدى التلاميذ عند مواجهتهم للمشكلات الَّتي تتطلب مهارات تفكير، ويُضعف اتِّجاههم الإيجابي نحو تَعلُّم الرياضيات، ويُضعف مشاركة هؤلاء التلاميذ في أنشطة التعليم والتعلم. وقد يعود السبب في التَّركيز على الجانب الإجرائي دون التَّركيز على البنية المفاهيمية إلى المعلم الذي يُوجِّه تركيز تلامذته في الغالب إلى إجراء العمليات الحسابية دون التَّركيز على الفهم، وهذا بدوره يؤدي إلى خلل في التوازن بين الإجراءات والمفاهيم والذي يُفترض أنْ يُبنى عليها تعليم الرياضيات. وقد يُعزى هذا  إلى عدم امتلاك معلمي الرياضيات وتلامذتهم الفهم الكافي لطبيعة المعرفة الرياضية وبُنيتها، وهذا ما أكدته نتائج البحوث والدراسات التي أُجريت بهذا الشأن، فقد توصلت بعض الدارسات إلى أنَّ تلامذة المدارس يتعاملون مع المحتوى الرياضي في الغالب كمعرفة إجرائية دون التركيز على المعرفة المفاهيمية، وهذا يعني أنَّ تلامذة المدارس يصلون إلى المرحلة الجامعية بخبرات رياضية تتركز حول المعرفة الإجرائية وبقليل من الخبرة المفاهيمية (خصاونة وبركات، 2007  .(Darey et al., 2012; Cheng-Yaa et al., 2013;

وكذلك أظهرت نتائج العديد من الدراسات الَّتي أُجريت على الطلبة المعلمين في موضوعات الرياضيات أنَّ معرفة الطلبة المعلمين بالمفاهيم الرياضية: هي معرفة ضعيفة للغاية (Davis & Thipkong, 1991; Simon, 1993; Cramer, Postt, & Delmas, 2002). وتشير الدلائل أيضًا إلى أنَّ الطلبة المعلمين يجدون صعوبات جمة في فهم واستيعاب المفاهيم في موضوعات الأعداد والعمليات كمفهوم الكسور مثلًا، وكذلك مفهوم العمليات عليها؛ كمفهوم عملية قسمة الكسور ومفهوم عملية ضربها (Becker & Lin, 2005). كما أظهرت بعض الدراسات تدنِّي مستوى الطلبة المعلمين في المعرفة المفاهيمية (مقدادي، وملكاوي، والزعبي، 2013 Surif, Ibrahim, & Mokhtar, 2012;).

ويرى المتخصصون في الرياضيات – فيما يتعلق بمعرفة المعلم للرياضيات – أنَّ خبرة المعلم الخاصة عندما كان متعلمًا للرياضيات ليست كافية أساسًا لتدريس تلك الرياضيات (Johannsdottir, 2013). وقد أثبتت دراسة كارالامبوس (Charalambous, 2008) وجود علاقة قوية بين معرفة الطلبة المعلمين بالمعرفة اللازمة لتدريس الرياضيات وأدائهم في الممارسات التدريسية محل الدراسة.

كما وكشفت نتائج العديد من الدارسات تدني تحصيل التلاميذ في الرياضيات، وشيوع الكثير من الأخطاء المفاهيمية لديهم، والصعوبات الجمَّة التي يواجهونها أثناء تعلمهم هذه المادة (صوفان، 1995م؛ الشمري، 2005م؛ هزايمة، 2007م؛ الدويك، 2010م).

وأجرى زويا (Zuya, 2017) دراسة هدف من خلالها إلى قياس المعرفة المفاهيمية والإجرائية للطلبة المعلمين في الرياضيات في الجبر توصل من خلالها الى انخفاض أداء العينة في اختبار المعرفة المفاهيمية.

كما قام المالكي والمالكي (2017م) بدراسة هدفت إلى التعرف على درجة امتلاك المعرفة الرياضية المفاهيمية والمعرفة الإجرائية لدى طلاب وطالبات الصف الثالث الثانوي. وتوصلت الدراسة إلى أن درجة امتلاك طلاب وطالبات الصف الثالث الثانوي للمعرفة المفاهيمية الرياضية جاءت بمستوى متوسط.

وتوصلت دراسة الحليسي والسلولي (2016م) إلى أن مستوى الممارسات التدريسية للمعرفة المفاهيمية لدى معلمي رياضيات المرحلة المتوسطة جاءت بدرجة متوسطة.

وأظهرت دراسة سعيد (2016م) تدني في مستوى المعرفة المفاهيمية في موضوعات الهندسية بالرياضيات المدرسية لدى طلاب السنة الأولى بقسم الرياضيات في كلية التربية.

وأجرى خشان (Khashan, 2014) دراسة هدفت إلى التحقق من المعرفة المفاهيمية والإجرائية في الأعداد النسبية لمعلمي الرياضيات في مدارس المرحلة الابتدائية في الرياض. وأشارت نتائج الدراسة إلى أن معلمي الرياضيات في المدارس الابتدائية بالرياض لديهم معرفة مفاهيمية متوسطة فيما يتعلق بالأعداد النسبية.

كما أجرى خشان وآخرون (2014م) دراسة توصلت الى ميل معلمي الرياضيات بالمرحلة الابتدائية في المملكة العربية السعودية إلى استخدام المعرفة المفاهيمية بشكل أقل من المعرفة الاجرائية.

وأجرى إبراهيم (2013م) دراسة استهدفت التعرف على أنماط التوازن التدريسي بين المعرفة المفاهيمية والمعرفة الإجرائية لدى معلمي الرياضيات وأثرها على تصور الفاعلية التدريسية توصل من خلالها إلى وجود فروق دالة إحصائية بين متوسطات تقديرات معلمي الرياضيات لفاعليتهم التدريسية لصالح نمط المعلم المتوازن في التدريس بين المعرفة المفاهيمية و المعرفة الإجرائية.

وقام مقدادي وآخرون (2013م) بدراسة أظهروا من خلالها تدنيا في المعرفة المفاهيمية للكسور لدى الطلبة معلمي الصف في كلية التربية في جامعة اليرموك.

في ضوء نتائج الدراسات السابقة المتعلقة بمستوى المعرفة المفاهيمية لدى المعلمين والطلبة المعلمين، كيف يمكن للمعلم أنْ يُقدِّم مادة الرياضيات للتلامذة بفهم عميق إذا كان المعلم نفسه ينقصه هذا الفهم. هناك مشكلة تحتاج إلى إعادة نظر، ففاقد الشيء لا يعطيه.

ويمكن أن تُعزى هذه النتائج التي تظهر الضعف الشديد في المعرفة المفاهيمية إلى طرق التدريس السائدة في جامعاتنا ومدارسنا والتي تركز بشكل كبير وغير متوازن على المعرفة الإجرائية على حساب المعرفة المفاهيمية. فاكتساب المعرفة المفاهيمية العميقة يحتاج إلى استراتيجيات تدريس تركز على مساعدة المتعلمين على التعرف إلى العلاقات بين الأفكار الرياضية وفهم كيف ترتبط هذه العلاقات، وكيف تبنى لكي تنتج كلاً مترابطًا ومتكاملًا، فتركز على تطبيقات الرياضيات ضمن سياقات داخل الرياضيات وخارجها. والمتأمل في مناهجنا الرياضية، وما يجري في الواقع الصفِّي وطرق التدريس المتبعة، يرى أنَّها تسعى للتأكيد على حفظ المفاهيم والحقائق واستظهارها دون إدراكٍ لمعناها السليم من خلال نقل الحقائق والمفاهيم كما هي، وتأكيدها على المهارات الروتينية التي لا يَمتُّ معظمها بصلة إلى واقع الحياة، فالرياضيات أكثر بكثير من مجرد حفظ مفاهيم أو تذكر نماذج أو تعلم للحقائق، فهي تمثل شيئًا نقوم به، لأنها عبارة عن نشاط الفرد عند التفكير في حل المشكلة، ووسيلته لحل بعض المشكلات التي تواجهه في حياته اليومية.

كما أنَّ استراتيجيات التقييم المستخدمة في التعليم الجامعي لعبت دورًا بارزًا وواضحًا في الضعف المفاهيمي لدى الطلبة المعلمين؛ فالاستراتيجيات المستخدمة في التقييم تضع المتعلمين في دائرة ضيقة من المواقف المعدة بشكل جاهز للعمليات الإجرائية التي تعلموها وحفظوها. فالطلاب لا يستطيعون التعامل مع المسألة الرياضية عند تغيير صيغة السؤال أو الفكرة أو إعادة ترتيب العبارات؛ لأنَّ الفهم هنا يخذلهم؛ فتعزيز المعرفة المفاهيمية يتطلب تقديم مواقف رياضية للمتعلمين ضمن سياقات جديدة ومتنوعة، واستخدام الصور المختلفة للمفاهيم الرياضية في تعميق فهمهم لهذه المفاهيم، وتقديم مسائل غير تقليدية لهم، ومساعدتهم على حل هذه المسائل بطرقٍ إبداعية وابتكارية. كما أنَّ تعزيز المعرفة المفاهيمية يحتم على أساليب التقييم المستخدمة أنْ تعكس هذا الاهتمام بحيث يشعر الطالب أنه بدون معرفة مفاهيمية عميقة لن يحصل على درجة عالية في الاختبارات التي تعكس تحصيله الدراسي.

Hits: 11