العنف المدرسي نتاج التنشئة والرفقة السيئة

Views: 89

الخليج: ظاهرة العنف آفة مستشرية بين طلبة المدارس، ففي مدرسة ما قد يحدث تخريب للممتلكات العامة والكتابة على الجدران، والتطاول على المعلمين والعنف ضد الغير، وطالب يصفع معلّمه أو يعتدي على سيارته، ومعلم يستهزئ بطلابه، وشجار وعراك بالأيدي وبالسلاح الأبيض بين ثلة ضد أخرى من الطلاب لأتفه الأمور، وفي مدرسة أخرى شتم وعصيان، حيث تسب طالبة معلمتها وتلعنها، في حال وجهتها أو وبّختها على التقصير أو الغياب، وهناك طالب يضرب زميله؛ لأنه نظر إليه بشكل لم يعجبه، وطالبة تخلت عن هدوئها وحيائها كأنثى وبدأت تشد بشعر زميلتها وتركلها لأتفه الأسباب، وغياب بدون عذر وهروب من الحصة الدراسية، وإثارة للفوضى.
حكايات بعضها يقال وآخر يستعصي الحديث عنها.. تأتينا من بين جدران بعض المدارس، وبغض النظر عما إذا كانت الشريحة المتورطة في العنف كبيرة أو صغيرة نسبة لعدد الطلاب، إلا أنها موجودة وتستجدي الحلول، فهناك عنف كلامي وآخر جسدي، وثالث مستحدث ومستورد من مشاهدات أفلام العنف والألعاب الإلكترونية العنيفة، وكلها أمور تؤدي إلى نتائج سلبية تتعلق بالتحصيل الدراسي للطالب، وتضر بالعملية التربوية والتعليمية بشكل عام. آراء وتحليلات تدور في فلك العنف، وجملة من الأسباب التي تؤدي إلى العنف المدرسي ترصدها «الخليج» في التحقيق الآتي، وتتعرف إلى طرق ووسائل التعامل مع العنف المدرسي والتي تقع مسؤولية تنفيذها على إدارات المدارس، ومجالس الآباء والمعلمين.

خوف وتوتر

في البداية يؤكد بدر الحوسني الاختصاصي النفسي في المدرسة الإماراتية بأبوظبي أن طبيعة التنشئة الاجتماعية للطالب والتعويض عن الفشل والاختلاط برفاق السوء، والتأثر بأفلام ومسلسلات العنف، تعد أحد أسباب العنف المدرسي، إضافة إلى أسباب أخرى منها المؤسسة التربوية نفسها، كطريقة تصميم المدرسة وازدحام الصفوف، وضعف شخصية بعض المعلمين، وتعنيف البعض منهم للطلاب داخل المدارس، فهذه كلها أسباب تؤدي إلى تعطيل وتأخير مسار العملية التربوية والتعليمية، وتولد الخوف والتوتر وتثير الغضب الداخلي في نفوس الطلبة الذي يؤدي إلى العنف.

تهديد وترهيب

ويقول حسن بن زايد الشامسي مدير مدرسة ثانوية، «سمعنا ورأينا على مدى سنين ظاهرة العنف المدرسي التي أصبحت موضوع جدل وتشمل عدة أطراف مختلفة، والمشكلة تحدث للأسف الشديد في المدارس، التي تعتبر البيت الثاني للطالب، والذي يفترض أن يشعر فيه بالأمان والراحة، وهذه الظاهرة يطلق عليها اليوم اسم «التنمر»، وهو شكل من أشكال العنف والإساءة والإيذاء الموجه من شخص أو مجموعة من الأشخاص إلى شخص آخر أو مجموعة، حيث يتبع المتنمِّرون سياسة التخويف والترهيب والتهديد، ولا يقتصر هذا على الطلاب فقد يشمل الأمر معلماً يتنمّر على أحد طلابه لأسباب شخصية ويُعنِّفه لسبب غير معروف، إما بتعنيف لفظي أو جسدي، وقد يكون التنمر بين الطلبة يأخذ الطابع الكتابي عن طريق الرسائل الإلكترونية بينهم»، مشيراً إلى أن ثلاثة أرباع طلبة المدارس المتورطين في السلوكيات المنحرفة من الراسبين، ومعظمهم ممن تكون نتائجهم خلال العام الدراسي ضعيفة.

ضغوط

ويشير عدنان عباس استشاري تربوي في إحدى المدارس الخاصة، إلى أن أن ما يعانيه المعلم داخل الفصل من سلوكيات الطلاب وكثافة الفصول والضغوط التي تحيط به من تكليفات تُرهقه نفسياً ومعنوياً، قد تكون السبب الرئيسي لاتخاذه إجراء الطرد للطالب المشاغب أثناء الحصة الدراسية، ولكن هذا الأسلوب فاشل، فالمعلم يختلف عن الكثيرين فهو في المقام الأول صاحب رسالة وخبرة تربوية متميزة تتيح له معالجة المواقف السلوكية داخل الحصة بأسلوب تربوي، وإدارة المدرسة والاختصاصي الاجتماعي والنفسي يتدخلون مهنياً في مثل هذه الحالات عن طريق نموذج معد لذلك، حتى تتم متابعتها مهنياً بالتوجيه والإرشاد بعيداً عن الطرد، وبذلك نتيح للمعلم المناخ التربوي المناسب داخل الفصل حتى يتمكن من العطاء وبذل الجهد، ونسهم في تكوين علاقة مهنية متميزة بين الطالب والمعلم.

عوامل متنوعة

وحول وجود بعض الظواهر السلوكية السلبية داخل مدارسنا، يشير عمر مبارك الجنيبي الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة حمدان بن زايد، إلى أن هناك العديد من العوامل تسهم في تفشي هذه الظواهر، منها عوامل نابعة من أسرة الطالب وأخرى خاصة بالمجتمع المدرسي والبيئة المحيطة، إلى جانب العوامل الشخصية والنفسية والاختلاط برفاق السوء، والتأثر بأفلام ومسلسلات العنف وغياب اللوائح الصارمة، وعدم تفعيل لائحة السلوك المدرسية.
ويضيف أن 80% من السلوكيات الطلابية تعود للثقافة الأسرية، حيث يتبع بعض الآباء أسلوباً خاطئاً في تريبة الأبناء والاعتماد على التعنيف وتضييق الخناق، إضافة إلى تأثير التفكك وكثرة الخلافات الأسرية، منوهاً بأن المجتمع المدرسي ليس معفياً من وجود الظاهرة، حيث تمثل بعض المجتمعات المدرسية عامل طرد للطالب، بسبب كرهه لبعض المواد، إضافة إلى سوء علاقته بالمعلم، وكذلك عدم إشباع البرامج الدراسية والأنشطة التربوية في المدرسة لميوله ورغباته وحاجاته، ما يسبب له قلقاً وتوتراً فيحاول التخفيف من هذا التوتر بالهروب من البيئة المسببة له، أو ممارسة العنف المدرسي.

وأهم طرف في هذه المعادلة هو المسؤول (معلم أو مدير المدرسة أو حتى الوالدين في المنزل)، فالأطفال أمانة في أعناقهم وتجب عليهم مراقبتهم وحمايتهم وملاحظة أي سلوك أو تصرف غريب يصدر منهم أو تجاههم، حيث ثبت أنه ينعكس العنف لاحقاً على شخصيات الأطفال ويؤثر في نفسياتهم ولا يزول مع مرور الوقت، وفي بعض حالات العنف الخطرة قد يصل الأمر إلى الانتحار.

نوع جديد

ويوضح عبدالله الجابري الاختصاصي الاجتماعي أن انتشار وسائل الاتصال بين التلاميذ من هواتف جوالة، وحواسيب محمولة، وانخراط آلاف منهم في فضاءات التواصل الاجتماعي، أسهم في ظهور نوع جديد من العنف أصبح متداولاً بكثرة فيما بينهم، كتوجيه رسائل التهديد عبر الهواتف الجوالة، أو إنشاء صفحات على شبكة «فيسبوك» للتحريض على زميل لهم، وتشويه سمعة أحد المدرسين، وحتى نشر الصور الفاضحة والتهديد وبث الرعب.

إحصاء واستقصاء

وتقول هدى ربيع اختصاصية علم النفس، إنه من بين العناصر التي أسهمت في ظاهرة العنف المدرسي غياب العمل الميداني في مجال دراسة العنف، والمرتكز على العمل الإحصائي والاستقصائي المحدّد لمواطن تفشيها المكانية والزمانية، مشيرة إلى أن المدرسة ليست مصدراً للعنف، لكنها انعكاس للعنف في المجتمع، وهو العنف الذي يبدأ من الأسرة التي يلجأ أفرادها مباشرة إلى العنف كحل لأي خلافات تحدث داخل هذا المكون الاجتماعي، لافتة إلى أنه لابد من بحث معمق للمشكلة بإيجاد آليات لمرافقة هؤلاء الأطفال و المراهقين، خاصة أولئك الذين يعانون مشاكل اجتماعية داخل أسرهم، وهي المشاكل التي تؤثر فيهم أثناء وجودهم في المؤسسات التربوية.

ظاهرة دخيلة

ويفيد فيصل الدرمكي مسؤول أنشطة طلابية ومسرح، بأن الظواهر الموجودة في أوساط طلابنا حالياً لم نعرفها سابقاً، فهي دخيلة على مجتمعنا، مشيراً إلى أن أسبابها تردي أساليب التواصل بين المدرسة والبيت، والبيئة الأسرية، وأساليب تنشئتها للأبناء والتفرقة في التربية بينهم، بحيث يأتي الطالب إلى المدرسة باستعداد مكتسب للعدوانية رغبة في لفت الأنظار، فيعمد إلى تخريب الممتلكات العامة، وتحدي المعلمين والعراك والمشاجرة مع زملائه داخل وخارج المدرسة وفي الحافلات المدرسية، وبعض الآباء يعمد إلى تشجيع أبنائهم على مبدأ من «ضربك اضربه»، و«خذ حقك بيدك ولا تسكت عنه»، كما أن الطالبات عادة ما يكون العنف لديهن لفظياً أو سلوكاً عدوانياً، فالعنف في المدارس انعكاس للعنف خارج المجتمع المدرسي.
ويلفت الدرمكي إلى ضرورة الاهتمام بالمسرح المدرسي ومسارح الطفولة الأخرى، لشرح وبلورة السلوكيات المرغوبة وغير المرغوبة، من خلال العروض المسرحية التي يتقمص فيها الطلاب أدوار شرائح وأفراد المجتمع ليمثلوها من منطلق أن التغيير يبدأ على مستوى النسق الثقافي؛ أي في نطاق الأفكار والقيم.

غياب اللوائح

يؤكد أحمد حسن الحوسني الاختصاصي الاجتماعي بمدرسة الاتحاد، أن هناك تصرفات سلوكية سيئة جداً تصدر عن بعض الطلبة تجاه معلميهم، ويدخل ذلك في باب إساءة الأدب والسلوك غير السوي، وغياب اللوائح الصارمة لتصرفات الطلبة غير السوية أمّنتهم من العقاب «ومن أمِن العقاب أساء الأدب»، لافتاً إلى ضرورة توفير الأساليب العلاجية للتخفيف من حدة السلوك العدواني بكافة مظاهره، مثل أسلوب ممارسة الخدمة الاجتماعية في المجال المدرسي الذي يتضمن المجال العلاجي لمساعدة الطالب على مواجهة المشكلات الانفعالية.

كبت الطاقات

تشير موجهة الخدمة الاجتماعية شيخة المهيري، إلى «أننا كآباء وأمهات ومربين نكبت طاقة كبيرة لدى الأبناء، ونطلب منهم ألا يكونوا عنيفين، وفي نفس الوقت هم يمرون بمرحلة عمرية من خصائصها الأساسية التعبير عن النفس عن طريق استخدام العنف، والمدرسة هي أنسب مكان لدى الطالب للانتقام والظهور، مؤكدة أن لدى وزارة التربية والتعليم مجموعة من البرامج الموجهة للطلاب تطبقها إدارة الإرشاد الطلابي بهدف خلق ثقافة مدرسية فعالة وتنمية التعاطف مع الغير، وخلق جو مدرسي مريح مهيئ ومحفز للإنتاج والتقدم، وهذه البرامج بالتأكيد ستساعد على الحد من ظاهرة العنف.

Hits: 7