التقاعد في المؤسسات الأكاديمية

Views: 10

الرؤية: إضافة إلى ما سبق ذكره في المقال السابق، فإنَّ للأستاذ المُتقاعد في الجامعات العالمية الحق في تدريس بعض المواد إذا أراد ذلك، وغالباً ما تكون هذه الخطوة لأغراض بحثية، ولذلك فإنَّ المواد التي يدرسها الأستاذ المتقاعد ليست من المواد التي يطرحها القسم عادة، وإنما مواد اختيارية صممت بطريقة معينة لمناقشة قضية معينة في التخصص أو للإجابة على سؤال مُحدد، وتكون نتيجتها مجموعة من أوراق العمل أو الأبحاث التي يقوم بها الطلبة الدارسون لهذه المادة تحت إشراف الأستاذ المتقاعد، والذي يقوم بتضمينها فيما بعد في كتاب من تحريره هو، ويكون بذلك قد أضاف إلى قائمة أعماله البحثية وقدَّم خدمة على مستوى الإنتاج البحثي للطلبة وكذلك للجامعة والتخصص. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يقوم أحد الأساتذة المتقاعدين في مجال اللغويات بتصميم مادة اختيارية تبحث في موضوع “موقع الفاعل في الجملة”، ولأنَّ الطلبة في أقسام اللغويات في الجامعات العالمية دائماً ما يكونون من خلفيات لغوية مختلفة (أي أن لغاتهم الأم مختلفة)، فإنَّ كل طالب يبحث في لغته الأم سيأتي بإجابة مختلفة للسؤال الرئيسي في المادة، أي ببحث مختلف، حيث إنَّ الباحث في اللغة العربية سيقول بأنَّ الفاعل يتبع الفعل ومن ثَم يأتي المفعول به، بينما سيقول الباحث في اللغة الإنجليزية بأنَّ الفاعل يسبق الفعل ومن ثَم يأتي المفعول به، وأما الباحث في اللغة اليابانية فسيقول بأنَّ الفاعل يسبق المفعول به ومن ثَم يأتي الفعل، وهذا ما سيقوله الباحث في اللغة التركية أيضاً.

ومن مظاهر طبيعة عمل الأستاذ المُتقاعد في الجامعات العريقة إمكانية (وفي بعض الأحيان ضرورة) إشرافه على أبحاث الطلبة (أبحاث درجتي الماجستير والدكتوراه وعضوية لجانهما، وكذلك القيام بدور المُمتحن الخارجي لدرجتي الماجستير والدكتوراه في الجامعات الأخرى، ممثلاً للجامعة) إذا كانت في مجال تخصصه أو اهتماماته. حيث إنه يظل قيمة علمية يمكن أن تخدم القسم والتخصص، حيث إن علمه وخبرته تزيد كلما تقدم في السن من خلال القراءة والبحث والكتابة وحضور المؤتمرات وتحكيم الأبحاث للمجلات العلمية المحكمة وعضوية لجان تحرير هذه المجلات وعضوية اللجان الوطنية والدولية في المواضيع ذات الصلة وعضوية لجان الإعداد للمؤتمرات وتحكيم ملخصاتها، وهي أنشطة أكاديمية مهمة يحتاج القيام بها إلى وقت طويل، وهو ما يُوفره التقاعد (أو بالأحرى غياب واجب التدريس والواجبات الإدارية من مهام عمل الأستاذ الجامعي). وفي كثير من الأحيان تؤدي هذه العملية (إشراف الأستاذ المتقاعد على أبحاث طلبة الدراسات العليا) إلى أعمال بحثية مُشتركة بين الطالب والأستاذ المتقاعد، حيث ينهل الأول من معارف الثاني وخبراته.

وبناءً على ما تقدم، فإننا نرى في عملية التقاعد الحالية في مؤسساتنا الأكاديمية خسارة كبيرة للأستاذ والطلبة والمؤسسة الأكاديمية والمجتمع والتخصص. ولهذا فإننا نُوصي بما يلي. بالإضافة إلى حق الاستفادة من الخدمات والتسهيلات العلمية بالمؤسسة الأكاديمية، كالمكتبات والمختبرات، فإننا نرى أنَّ هذه الفئة من الأساتذة المتقاعدين يجب أن يحصلوا على مكتب أو على الأقل مكتب مشترك يزاولون فيه أعمالهم البحثية (والتدريسية إذا اختاروا أن يدرسوا مقرراً اختيارياً). طبعاً، ستعرف المؤسسة الأكاديمية أن الأستاذ المتقاعد هو من أفراد الفئة الثالثة إذا أوضح هو ذلك في طلب التقاعد.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يُعطى الأستاذ المتقاعد فرصة تدريس المواد التي يطرحها القسم الأكاديمي إن احتاج القسم لذلك بسبب زيادة الطلبة المقبولين أو نقص الكادر التدريسي في القسم إن أراد الأستاذ ذلك، أي إذا سمحت ظروفه بذلك، بدلاً من دعوة محاضرين زائرين أو زيادة العبء التدريسي على كادر القسم (لما لذلك من أضرار على مقدار التحصيل الدراسي لدى الطلبة). وطبعاً لأنَّ هؤلاء الأساتذة متقاعدون، أي أنهم اختاروا التقاعد، فإنِّهم لا يقومون بأعمال الإرشاد الأكاديمي وعضوية اللجان الإدارية (إلا إذا اختاروا هم ذلك)، وبالمقابل فإنّ المؤسسة الأكاديمية لا تُلزم بترقيتهم ولا بمنحهم إجازة التفرغ العلمي ولا بابتعاثهم لحضور المؤتمرات العلمية (إلا إذا ارتأت المؤسسة الأكاديمية ضرورة لذلك).

قُلنا ما تقدم لثلاثة أسباب. الأول هو أن هذه الطريقة (أو أي طريقة أخرى لها نفس الأهداف) في إدارة عملية التقاعد للأساتذة في المؤسسات الأكاديمية أفضل للجميع، الأستاذ والطلبة والمؤسسة، خدمة لمسيرة التعليم والبحث في المجتمع. الثاني هو أنّ بعض الأقسام في الجامعة احتاجت بالفعل لمجهودات وخبرات أساتذة اضطروا للتقاعد بسبب القوانين المعمول بها في هذا الشأن (شرط السن)، وقامت بالتواصل معهم وإسناد مهام التدريس إليهم مرة أخرى، مع ما يُرافق ذلك من حقوق وامتيازات. الثالث هو أنَّ مجرد ارتباط الأستاذ الجامعي بمؤسسته الأكاديمية بعد التقاعد وحضوره إلى الحرم الجامعي، ولو مرة أو مرتين في الأسبوع، يمكن أن يشكل دافعاً قوياً للاجتهاد في الأعمال البحثية وأنشطة خدمة المجتمع والتعاون البحثي مع الطلبة والزملاء في القسم الأكاديمي، وبذلك يظل الأستاذ الجامعي عضواً منتجاً مفيداّ للمجتمع على الدوام. ولذلك فإننا نوصي بالعمل بهذه الخطة حفظاً لمصالح الجميع وسيراً على درب الوصول لنهج الجامعات المرموقة في هذا الشأن.

د. راشد بن علي البلوشي

Hits: 3