آن الأوان لنغيِّر مفاهيمنا نحو التعليم(4)

Views: 13

التعليم (ليس) من أجل وظيفة حكومية

للقناعات أثرٌ كبير في توجيه السُّلوكِ الإنساني، ولعلَّ معضلتها تكون في الترسُّخُ الذي لا يقبلُ المناقشةَ، والتفكير فيه، أمَّا الأدهى فأن تكون تلك القناعة مرتبطةً بظرفٍ معيَّنٍ، أو فترةٍ تاريخيَّةٍ ما، تصبحُ بعدها من قبيل المسلَّمات التي تنتمي إلى “قدسيَّةِ الموروث” الذي يُعتبرُ النقاش فيه إضراراً بمقدَّرات ومنجزات الخلف..!

ومن ذلك مفاهيمَ ترسَّخت في عقلية المجتمع عن أن التعليم إنما يكونُ من أجل الحصول على وظيفة في الحكومة على سياق المثل المصري الشائع “إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه” وهو من أقدم الأمثلة المصرية ويعني التمسُّك بالمهنة الحكومية وعدم تركها في أيِّ ظرف..!!

والشاهدُ أنَّ مفاهيم الوالدين متمسَّكةً بالوظيفة الحكومية، وحريصةً على أن يسلك أبناؤهم الطرق الآمنة للحصول على الوظيفة ذات الراتب الثابت بعد الحصول على الشهادة الجامعية، في حين أنهم لا يشجعونهم على سلوك الطرق الخطرة مخافة فشلهم، وفي هذا يقول “روبرت كيوساكي” صاحب كتاب “الأب الغني والأب الفقير” محذِّراً:”من المفترض أن لا يعتمد المرءُ على وظيفته كمصدر دخل رئيسي، وأن يؤسس عملاً خاصًا به، حيث يمكنه توفير الفرص الوظيفية لأولئك الذي يخشون المخاطرة ويريدون أن يحصلوا على وظيفة آمنة، براتب متدني”.
ومع أن المجتمع يحفلُ بنماذجَ مشرِّفةً من الذين نحوا إلى إقامة مشاريعهم الخاصَّة، فأصبحوا قدواتٍ في سبيل الكفاحِ، والعصامية، والصبر إلاَّ أنَّ العقلَ الجمعيَّ لا يزالُ يخشى المغامرة، ولا يرى طريقها إلا محفوفاً بالأشواك..! ولا شكَّ بأنَّ هذه النظرة السلبية تجاه التطلعات الفردية نحو مشاريعَ خاصَّة لها أثرها المعيق للأبناء، مشكِّلةً حجرَ عثرةٍ أمامَ حماسهم، ودافعيتهم لشقِّ طريقٍ يحققون فيه ما يتطلعون إليه من منجزات.

وفي هذا الإطار، يقول الملياردير الصيني “جاك ما”Jack Ma، مؤسس “علي بابا”:” إذا قمتَ بعرضٍ وظيفةٍ ومشروعٍ على الناس، فإن أغلبهم سيختارون الوظيفة، لأن أغلب الناس لا يعلمون أن المشروع يمكن أن يوفر المال أكثر من المرتَّب الذي يتقاضونه من الوظيفة. إن أحد الأسباب التي تجعل الفقراء يعيشون الفقر والحاجة، هو أن الفقراء ليسوا مدرّبين على التعرّف على الفرص في مجال الأعمال واقتناصها؛ فالناس يقضون الكثير من الوقت في المدرسة، حيث يتعلّمون فيها أن يعملوا ويجتهدوا من أجل مرتّب شهري، لا أن يعملوا من أجل أنفسهم؛ فالربح والفائدة من العمل على مشروعك أو شركتك هو أكثر وأفضل من المرتّب الذي بالكاد يضمن لهم الحياة، ولكن الأرباح من مشروعك الخاص أو شركتك يمكن أن يحقق لك ثروة. صحيح أن الراتب الشهري يمنعك من الفقر لكنه يمنعك من الغنى أيضاً، ولم أرى في حياتي شخص يعمل من الساعة الثامنة صباحاً إلى الثالثةِ مساءً أصبح غنياً إلا إذا كان فاسداً”.

إنَّ المليادردير الصيني “جاك ما” قد بدأ نفسه براتب 12 دولار في وظيفة معلِّم لغة إنجليزية بإحدى الجامعات بعد أن رفضته جامعة هارفرد عشر مرَّات كما صرَّح عام 2016 بذلك..! وفشل في امتحان القبول بالكلية، غير أنَّه تغلَّب على الصعاب، وقاوم الفشل، فأصبح أغنى رجلٍ في الصين، وأحد الملهمين في العالم للشباب في مجال ريادة الأعمال.

إنَّ مفهوم “الوظيفة الحكومية” الذي يعلوه شعار “وظيفة لأجل الحياة” هو مفهومٌ لا يتماشى مع طبيعة العصر، ومتطلبات المعيشة وتحدِّياتها، فضلاً عن أنها لا تتماشى في الأساس مع نماء القدرات الإنسانية التي تحتاجُ إلى التحديات والصعوبات لصقلها، وتهذيبها.

ومن أجل ذلك فإنَّ المدارس يجب أن تقود تغيير هذا المفهوم في عقلية المتعلمين ليكونوا على أُهبة الاستعداد لتحمِّل المشاق، والصبر، والعزيمة التي تمكِّنهم من إدراك بلوغ المرامي، كما يقول الشاعر العباسي أبوتمَّام:

بصرتَ بالرَّاحةِ الكبرى فلم ترها .. تُنالُ إلاَّ على جسرٍ من التَّعبِ

إن هذا الإعداد النفسي والعقلي سيكون متوازياً مع مبادرات المؤسسات المختصة التي تدفع الشباب نحو مشاريعهم الخاصَّة. وهذا الأمر يجب أن يكون في سياق مشروعٍ وطني حكومي تتعدَّد مذاهبه، وطرقه؛ ثقافياً واجتماعياً وإعلامياً وقانونياً ومؤسساتياً، فالحكومة عليها واجب تذليل الصعوبات الكامنة للبيروقراطيات المعيقة لتغيير هذا المفهوم على صعيد القوانين والتشريعات وكل ما يتوجَّبُ فعله في هذا السياق. أما عن الدور التربوي للأسرة فهو دورٌ أساسي ومؤثر، يصفها (فيدير كو ماير) المدير العام الأسبق لليونسكو بأنها “قوة المستقبل لأنها واحدة من الأدوات الأكثر قوة لتحقيق التغيير” لهذا فإن على الأُسرة أن تساندَ أبناءها لكي يشقُّوا طريقهم نحو مشاريعهم الخاصَّة، وأن يؤازروهم فيما يواجهونه من صعوبات فالطريق ليس آمناً، ولا معبَّداً ولا محفوفاً بالزهور، وإنَّما هو طريقٌ وعرٌ يحتاجٌ إلى شكيمةٍ وعزيمة، وصبرٍ ومراس، ونَفس طويلٍ وتفاؤل.

لا يمكنُ لعقلياتنا أن تستمرَّ في نمطية تفكيرها التقليدي مع تغيِّر العصر، وتعقِّدِ مفاهيمه، وحداثةِ أدواته بل “علينا أن نعيد التفكير في طريقة تنظيم المعرفة، وإزاحة الحواجز التقليدية من المعارف وتصورِّ كيفية ترابط ما كان منها إلى حدِّ الآن مفرَّقاً” كما يقول ماير.

د. صالح الفهدي

Hits: 1