الرسوب.. إخفاق دراسي قابل للتصحيح

Views: 16

الخليج: النجاح هدف يسعى الجميع إلى إحرازه، والتفوق أمنية يجتهد البعض لتحقيقها، وما بين الاثنين هناك الرسوب، الذي يحاول الكل تجنب التعرض له، لكنه قد يقع لمن لم يبذل المجهود اللازم في التحصيل الدراسي، ولم يواظب على الحضور المدرسي، والاستماع إلى شروحات المعلمين، واستيعاب الدروس ومذاكرتها، ولأسباب أخرى تتعلق بمحيطه الاجتماعي، أو المدرسي.
الرسوب إخفاق دراسي، لكنه ليس وصمة عار تلحق بالطالب، وليس بالفشل المقيم، أو نهاية المطاف، فالتعثر قد يكون دافعاً إلى معاودة الوقوف بقوة، ومواصلة السير بأمل متجدد، وإرادة، وإصرار، على تجاوز السقطة، فما لا يكسر يقوي، وما يعرقل المسيرة يمنح المرء فرصة لمراجعة الذات، ووضع اليد على أسباب العرقلة لتجاوزها، وتصحيح ما أدى لحدوثها. وعلى الرغم من أن النجاح دائماً هو القاعدة، والرسوب هو النشاز، فكثير من الأسر لا تتفهم ذلك، حيث تقيم الدنيا ولا تقعدها عند رسوب أي من أبنائها، وتنكس الرأس، رافضة مواجهة من حولها، حيث ترى أن فشل الابن فضيحة لا تغتفر وتجب مدارتها، وتداوم على إهانة الابن، والسخرية منه، وتعايره برسوبه، وتشعره طوال الوقت بالذنب، وتؤلب ضميره عليه، وهو ما يعرضه لحالة من الإحباط القاتل، ويشعره بالحزن المميت، ويفقد بذلك ثقته بنفسه، مع شعوره بالانكسار والدونية مقارنة بزملائه الناجحين، وقد يذهب به الأمر إلى فقدان الأمل في النجاح، مع تشككه في قدراته، ويضحي الفشل رديفاً لا ينفصل عنه. كيف يتجاوز الطالب الفشل في الامتحانات باستعادة ثباته وهدوئه النفسي؟ وكيف ينطلق من الرسوب إلى إحراز النجاح المدروس؟ وما الصيغة الواجبة من أولياء الأمور في التعاطي مع إخفاق أبنائهم؟ حول ذلك يدور التحقيق الآتي:
بداية ترى أحلام بن جرش مساعدة مدير الجامعة القاسمية لشؤون الطلبة أن الرسوب أو التعثر الدراسي مشكلة قديمة يواجهها حقل التربية في مختلف المراحل الدراسية، واستقطبت اهتمام العديد من الباحثين بحثاً عن أسبابها لوضع طرق العلاج لها، لأن التعثر يؤثر سلباً في مخرجات التعليم، وفي مسيرة التنمية البشرية، وفي اقتصاد الدولة التي تسخر ميزانية ضخمة من أجل الارتقاء بالتعليم، وتطوير مهارات الطلبة، واستقطاب الكفاءات التعليمية التي ستخرج أجيال المستقبل لبناء الأوطان.

وفي ذلك تقول: لا يجب أن نلقي اللوم كاملاً على الطالب الذي من المؤكد أنه كان يتمنى أن يكون متفوقاً مثل زملائه، ويكون له شأن في المجتمع، فلا أحد يحب أن يكون فاشلاً، لأن الفشل يترك آثاراً نفسية واجتماعية على الطلبة، فالطالب الذي يفشل في تحقيق النجاح، يشعر بالكآبة والحزن على نفسه، ويحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي كبير ليسترد ثقته بنفسه وبقدراته التي قد يمتلكها، ولكنه لا يعرف كيف يكتشفها أو يسخرها للارتقاء بمستواه الدراسي.

أساليب واجبة

ومن وجهة نظري أنه من أهم أسباب تعثر الطالب هو عدم القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة، إما لشدة ذكاء الطالب، أو بسبب صعوبة المناهج الدراسية، وعدم قدرة بعض المعلمين على إيصال المعلومة للطالب بصورة واضحة وميسرة، كما أن كثرة المقررات الدراسية وصعوبتها وعدم مراعاتها للفروق الفردية بين الطلبة، مع كثرة عددهم في الفصل الواحد تؤثر سلباً في مستواهم وتحصيلهم العلمي، فضلاً عن المشكلات الأسرية والنفسية، وعدم الاستقرار الأسري، الذي يؤثر كثيراً في مستوى الطالب وتركيزه وحتى في طموحه.
لذلك، وعند تحديد المشكلة أو التحديات التي يواجهها الطالب المتعثر، فإننا يمكننا وضع الحلول والأساليب الواجبة لدعم وتشجيع هذا الطالب، ليتحول إلى إنسان ناجح متميز يفخر به مجتمعه ودولته، وهنا وللبدء مع الطالب المتعثر، يجب أن نقنعه بأن هذا الفشل ليس نهاية المطاف، وأنه بداية خطوة نحو النجاح، كما أنه فشل لينجح، وأن الفشل جزء لا يتجزأ من النجاح وهو مصدره، فعلى المتعثر التعلم من أخطائه، وعلى المعلمين والمربين تعليمه آلية تحويل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة يواجه بها الصعوبات التي تعترضه، كما على المربين أن يزيدوا ثقة الطالب بنفسه وبقدراته الفكرية، وتعليمه مهارات المذاكرة، والتلخيص والحفظ، وإعطائه اهتماماً كبيراً، ومتابعة يومية مستمرة مع الأسرة لضمان تهذيب شخصيته، وهنا لا يجب أن نغفل عن الشخصيات التي فشلت في دراستها، ولكنها نجحت وتفوقت وتميزت في خدمة البشرية، بمشاريعها، وأفكارها، وإنجازاتها مثل آينشتاين، وإسحاق نيوتن، وتوماس أديسون.

دور غائب

ويقول الدكتور عبدالله بن حمودة الكتبي عضو المجلس البلدي لمدينة الشارقة عضو المجلس الاستشاري لجامعة الشارقة عضو المجلس الاستشاري لكليتي القانون في الشارقة والإعلام في عجمان: ها نحن مقبلون على نهاية عام الدراسي، والنتائج ما بين محققة للأحلام أو مخيّبة للآمال، وبين هذا وذاك جهد يُبذل، وأعصاب تُستنزف، وتطلعات تُرتقب، وإننا لنتمنى أن يتكلل جميع ذلك بنجاحات تسُر الناظر، وتجبُر الخواطر، لتكون خاتمة خير للطلبة وأولياء أمورهم.
أحلامنا وتطلعاتنا هي أقدار مستقبلية، قد تتحقق وقد تُؤجل، وقد لا يكون لنا إليها سبيل، ومنها تفوق أو نجاحات أبنائنا، فالجميع يبذل الغالي والنفيس لجعلهم الأفضل والأحسن، إلا أننا قد نفاجأ بأن ذلك صعب المنال، فليس كل ما يتمنى المرء يُدركه.
التساؤل الذي يراودنا هنا هو أننا نعلم أنه في حال نجاح أبنائنا، فإن الفضل في نجاحاتهم بعد الله تعالى يعود للأهل والمعلمين والأبناء أنفسهم، إلا أنه في حال فشلهم ورسوبهم فعلى من يقع عاتق ذلك الفشل والرسوب؟!
من الملاحظ للأسف أنه لا يقع إلا على عاتق الأبناء فقط، وهو ما يؤدي إلى وضعهم تحت ضغط من التأنيب، والتوبيخ والضرب أحياناً، وكأنهم قد تعمّدوا الرسوب وسعوا إليه، دون النظر إلى الأسباب أو الظروف المؤدية إلى هذا الرسوب، أو دور الأهل والمعلمين الذي كان شبه غائب طوال تلك الفترة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في الطالب مهما تظاهر بعكس ذلك، وفي هذه المرحلة الصعبة يظل تفكيره يتمحور حول الفشل وإضاعة عام دراسي بأكمله، مع احتمال تعرّضه للانتقادات من المحيطين به من أهله، وأقربائه، أو معلميه، إضافة إلى سخرية بعض الزملاء، ما يفضي إلى ضرر نفسي كبير عليه تكون له آثار سلبية لا يستهان بها مستقبلاً، فهل هذا هو الحل؟ وهل هذه هي الطريقة السليمة لمعالجة ذاك الفشل؟!

أسباب رئيسية

لبيان ما هو الحل السليم، والسبيل الأنسب، علينا بداية أن نحدد أهم أسباب الرسوب التي تتمحور حول أسباب «فردية، أسرية، مدرسية»، أما الأسباب الفردية فهي عدم التركيز، الخوف، عدم الثقة بالنفس، ضعف القدرة الاستيعابية، مواجهة الصعوبات التعلمية. والأسباب الأسرية هي عدم حث الطالب على التعلم والمثابرة في تحصيل علمه، لامبالاة الأهل وإهمالهم في المراقبة ومساعدته في الفروض المدرسية، المشاكل العائلية، التفكك الأسري والطلاق. في حين أن الأسباب المدرسية تدور حول سوء المعاملة، والقسوة في المؤسسة التربوية، عدم مساعدة الطالب لمعالجة نقاط ضعفه، التمييز بين الطلبة، عدم تشجيع الطالب الضعيف.
لذا نرى أن السبيل لتجاوز الفشل وإعادة المحاولة للنجاح، ليس بالتوبيخ، والضرب، بل بتكاتف الجهود من خلال التوقف عن اللوم، أو المعاقبة، أو التوبيخ بشكل مستمر في حال الحصول على علامات منخفضة، وتقوية السمات الشخصية للطالب، وعدم التفرقة بينه وبين إخوته أو زملائه، إذا كان هناك اختلاف في النتائج الدراسية، والتحدّث مع الطالب وتفهم مشاعره، ومناقشة أفكاره ومخاوفه، ووضع خطة جديدة للدعم اللازم، ومعالجة المعوقات التي حالت بين الطالب وبين النجاح، والحرص الدائم على رفع معنوياته، وتشجيعه وتحفيزه بكل الطرق الممكنة، ودعمه نفسياً وعاطفياً خلال أيام الدراسة، حيث يتعرّض الطالب لضغط نفسي كبير، وتأمين البيئة المناسبة له للدراسة، وهو ما ينعكس إيجاباً على تحصيله العلمي، وفي الختام نتمنى التوفيق لأبنائنا الطلبة في تحقيق نجاحاتهم.

مراجعة مجانية

ويؤكد محمد راشد رشود رئيس مجلس أولياء أمور الطلبة والطالبات في دبا الحصن أن الفشل في الدراسة أو الرسوب في امتحانات نهاية العام، ليس نهاية المطاف، بقدر ما هو كبوة ودرس قوي لتجاوز التعثر والفشل في الامتحانات المقبلة، وهو ما يوجب التحلي بالعزيمة والثقة بالنفس، وحسن الظن بالله عز وجل.
ويقول: كثير من العظماء فشلوا في بداية حياتهم، لكنهم تجاوزوا ذلك بالإصرار على مواصلة النجاح، فأصبحوا علماء ومخترعين، ومبتكرين.
فأحياناً في فترة الامتحانات وما قبلها تحدث للطالب ظروف طارئة إما نفسية، أو مرضية، أو اجتماعية، وقد تواجهه صعوبة في أسئلة الامتحان، لذلك وجب على المحيطين به احتواؤه، ومحاولة تهدئته لتجاوز محنته، فقسوة الأسرة مع الطالب، سواء بضربه، وتعنيفه بشكل جارح، والبكاء وندب الحظ، كل ذلك لن يولد النجاح، بقدر ما يؤدي للإحباط.
ونحن في مجلس أولياء أمور الطلبة والطالبات في دبا الحصن التابع لمجلس الشارقة للتعليم، أبوابنا مفتوحة لمساعدة المتعثرين في امتحاناتهم، وتقديم خدمة مجانية لهم، بمراجعة دروسهم دونما مقابل، أسوة بما نفعله مع المتفوقين، ونأمل من مجالس أولياء أمور المدارس، التعاون معنا لتجاوز كبوات طلابنا، بتقديم الاستشارات التربوية المجانية لهم.
عن الأسلوب الأمثل من أولياء الأمور في التعامل مع الأبناء المتعثرين، قال خالد الغيلي عضو لجنة الأسرة في المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة: قد يتعرض الطالب في إحدى سنوات تعليمه إلى الرسوب، وهذا لا يعني إهمالاً منه، أو تقصيراً، فقد يكون فشله نتيجة صعوبة الامتحان، أو مرور الطالب بأزمة نفسية وقت الاختبار جراء موقف أسري، أو أسباب أخرى في المحيط الدراسي، لذا يجب أولاً تدارك الموقف من الطالب، ومن ثم الأسرة، حيث عليه تقبل الأمر الواقع، دون حزن وندم على ما فات، أو بكاء على «اللبن المسكوب»، حيث لا فائدة من الندم، لذا يجب عليه أن يبدأ بداية جديدة مع الشعور بالحماس، وتحدي ذاته في التحصيل، والاستذكار بجدية، والانطلاق نحو النجاح بعزيمه قوية، ودافعية، أما الأسرة، فعليها احتواء الطالب، وعدم تحميله السبب الكامل في الرسوب.
وعلى الإدارات المدرسية، والأسرة أن تعلم بأن الرسوب لا يعني الفشل، إنما هو كبوة غالباً تكون دفعة قوية لنجاح أفضل والفرص المقبلة.

Hits: 4