الثورة الصناعية الرابعة وانعكاساتها على التعليم

Views: 42

الرؤية: تعد الثورة الصناعية الرابعة هي الحلقة الأخيرة من سلسلة الثورات الصناعية التي مرَّت بها الإنسانية ابتداءً من الثورة الزراعية التي حدثت منذ ما يقارب عشرة آلاف عام، مرورا بالثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر والتي اعتمدت على الفحم وقوى البخار، والثانية في القرن التاسع عشر التي قامت على الكهرباء، والثالثة التي بدأت في ستينيات القرن العشرين والتي قادها الكمبيوتر وعرفت بالثورة الرقمية.

ومما لا شك فيه أن الثورات الصناعية السابقة كان لها تأثير على حياة البشرية في مختلف مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أن الباحثين في المجال الاقتصادي وعلى رأسهم كلاوس شواب SCHWAB KLAUS المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي الدولي يؤكدون أنَّ تأثير الثورة الصناعية الرابعة يفوق التأثيرات الناجمة عن الثورات الصناعية الثلاث السابقة، وذلك بسبب سرعتها الجامحة، واتساع مجال تأثيرها سواء على الأفراد والمجتمعات أو الأعمال والحكومات؛ فهي لا تغير فقط في آلية عمل الأشياء بل تغير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، كما أن التغيرات التي تحدثها هذه الثورة تشمل بنية النظام وهيكله وقواعده بصورة تجعله نظاماً قائماً على تعدد القوى.

وتمتاز الثورة الصناعية الرابعة التي يشهدها العالم اليوم بتقنيات جديدة منها مادية كالسيارات الذكية ذاتية القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات المتطورة، وتقنيات رقمية كإنترنت الأشياء، وسجل التوزيعات Blockchain، والمنصات الإلكترونية الكبيرة، وتقنيات بيولوجية لاسيما في علم الوراثة والتي سيكون لها دور حاسم في الشفاء من الأمراض الأكثر خطورة كأمراض القلب والسرطان.

وفي هذا الصدد فإنَّ السلطنة بكافة قطاعاتها الحكومية تسعى جاهدة لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة فقد قامت هيئة تقنية المعلومات بالتعريف بها من خلال العديد من الملتقيات التي نُظمت للتعريف بمجالات إنترنت الأشياء، وسلاسل كتل البيانات، والتعليم المعزز؛ إيماناً منها بأهمية الإسهامات التي ستقدمها هذه التقنيات الحديثة في مجالات التعليم والطب والعلوم والهندسة، كما عملت الهيئة على توفير البنية الأساسية اللازمة، وتنمية مهارات أفراد المجتمع، وتطوير صناعة تقنية المعلومات والاتصالات إلى جانب تشجيع ريادة الأعمال وتوفير مقومات الحماية والأمن السيبراني، وتنفذ الهيئة العديد من المشاريع اللازمة لدعم مسيرة السلطنة نحو تحقيق اقتصاد قائم على المعرفة انطلاقاً من محاور الإستراتيجية الوطنية لمجتمع عمان الرقمي.

ونظرا للأهمية الكبيرة للتعليم باعتباره الركيزة الأساسية للتنمية فقد قضت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه –بضرورة مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وأهمية الربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، ومع استعداد السلطنة للثورة الصناعية الرابعة جاءت رؤية عمان 2040 مُركزة على التعليم وحددت له توجها إستراتيجيا يتمثل في “تعليم شامل يتسم بالجودة العالية والشراكة المجتمعية يقود إلى مجتمع معرفي”، فهدفت هذه الاستراتيجية إلى تحقيق عدد من الأهداف هي: (1) بناء نظام فاعل لإدارة وحوكمة قطاع التعليم، (2) تحقيق معدلات عالية للالتحاق بالتعليم وبقاء الطلبة عبر المراحل التعليمية المختلفة وتحقيق المواءمة بين مخرجات النظام التعليمي وقطاعات العمل، (3) الارتقاء بجودة نظام التعليم، (4) تعزيز الابتكار والإبداع والبحث العلمي في قطاع التعليم، (5) بناء نظام تمويل فاعل ومستدام لقطاع التعليم.

واستعدادا للتعامل مع ما تفرضه هذه الثورة من تحديات، والاستفادة مما تُقدمه من فرص تحسين للعملية التعلمية التعليمية؛ جاءت جهود السلطنة لتطوير النظام التعليمي ليكون قادرا على تلبية متطلبات الثورة الصناعية الرابعة وتتمثل هذه الجهود في الإعداد الجيد للمعلم العماني من خلال إنشاء مراكز متخصصة لتدريبه وتأهيله، وتحديث المناهج الدراسية، واستخدام أساليب وطرق تعلم تعتمد على التقنيات الذكية، وأساليب تقويم متنوعة تستطيع قياس المعارف والمهارات والقيم التي ينبغي أن يكتسبها الطالب العماني، مع التركيز على غرس مبادئ ومفاهيم التعلم الذاتي والتعلم المستمر لدى المتعلمين، ومن أجل التأقلم مع مجتمع عمان الرقمي تم إطلاق البوابة التعليمية الإلكترونية، والعديد من تقنيات التعليم الإلكتروني، كما تم دعم تأسيس مختبرات الروبوت، ومراكز الابتكار في مختلف المحافظات التعليمية، وذلك بالشراكة مع القطاع الخاص، وتأسيس فرق دعم أنشطة الروبوت في المحافظات التعليمية وتدريب المعلمين والطلاب في هذا المجال كما تمَّ إضافة وحدة للروبوت في مادة تقنية المعلومات للصفين السابع والثامن.

وختامًا فإن التغلب على التحديات التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة، والاستفادة مما تقدمه من فرص تحسين وتطوير يتطلب تكاتف وتعاون الجميع سواء حكومات أو شركات أو منظمات مجتمع مدني وصولا إلى رقي البشرية وازدهارها .

د. حمد بن عبدالله البوسعيدي

Hits: 5