بوح الخزامى : يوم المعلم .. سمو الرسالة

Views: 116

الوطن: تحت ظل الشجرة كان التعليم، فأثمرت أجيالاً صنعت التغيير، ولنا مع معلمنا الأول قصص قديمة تحكيها عُمان في كل مراحل التطوير، كلمات من نور شقّت طريقها في ذاك الظلام الحالك فأشرق فجر التنوير، سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجرة، من هنا كانت انطلاقة التعليم.
إلى زمن السبعينيات والثمانينيات تعود بنا الذاكرة نحو مدارس القرآن الكريم ومعلماتنا العمانيات الجليلات ممن فتحن منازلهن لتعليم كتاب الله وتشجيع أسرنا ومجتمعنا على الذهاب لتلك الكتاتيب والتي كنا نحرص على حضورها بصفة مستمرة كخطوات مهمة لتعلم القراءة والكتابة لنلتحق بعدها بالمدارس الحكومية برغم امكانياتها المحدودة، حيث كانت مدارسنا مبنية من سعف النخيل وبعض الأخشاب والخيام، ومقاعدنا الدراسية الملتصقة بالطاولة الواحدة والتي كانت ـ حينذاك ـ تتسع لثلاث طالبات وغرفة الصف (العريش) التي لا تقينا حرارة الصيف الملتهبة ولابرد الشتاء وتتحول إلى بركة مائية عند هطول الأمطار فنذهب إلى منازلنا وقد تلطخت أحذيتنا بطبقة سميكة من الطين والكثير من المنغصات في تلك المرحلة، وهذا لايهم فنحن نسعى إلى التغيير.
بدأنا في تلك المدارس المتواضعة مراحل التعليم الإبتدائي وكانت معلماتنا من الجنسية العمانيه ومختلف الجنسيات العربية التي كانت طاقات متوهجة بالإخلاص والصبر والمشاركة الفعالة في النهضة التعليمية والتي كانت تحتاج إلى جهد كبير وإخلاص لكي تتحقق أهدافها وتمضي في مسيرتها، فكنَّ خير من حمل الرسالة التربوية بكل ماتحويه من معارف تثري وتنير العقول فكانت البدايات صعبة، حيث كانت معظم الأسر غير متعلمة لمساعدة أبنائهم في الدراسة والتحصيل العلمي، وكان الاعتماد ينصبُّ على المعلمة في بداية المراحل الدراسية، حيث دورهن كبير في النهوض بمستوى الأجيال بالرغم من الصعوبات إلا أن الإصرار والعزيمة على طلب العلم كان الهدف فلا بأس فنحن نسعى الى التغيير.
لقد كان لنا مع مربيات الأجيال حوارات وحكايات وضحكات ولحظات لاتنسى مازلنا نستحضرها في تجمعاتنا لبعض المواقف الحلوة والمرّة في آنٍ واحد، وكانت نصائحهن وتوجيهاتهن لنا مستمرة والتي كانت تُعدُّ بمثابة دافع قوي نحو الإجتهاد وبذل أقصى الجهود لكي نخدم هذا الوطن ومازلت أتذكر معلماتي في طابور الصباح وهن يرددن النشيد السلطاني بصوتٍ مرتفعٍ يبثنَّ فينا روح الحماس وهو الغرس الطيب لحب العلم والوطن واحترامه، فمن منا لم يقم بتقبيل صورة جلالة السلطان قبل تقليب صفحات الكتاب (بسم الله نبدأ) ونستمد الصبر من تلك الشخصية العظيمة لأجله ولعمان نتحمل الصعاب.
لم تكن المعلمة مجرد شخصية تعطينا الدروس وتتابع واجباتنا المنزلية بل كانت بمثابة رسائل وطنية تُعنى بحب عمان وضرورة التضحية من أجلها والمشاركة في النهوض بمستواها وهذا لن يتحقق بدون التعليم وينقشون في عقولنا الصغيرة حب معلمنا الأول والوفاء له، وكنَّ يلعبن دور الأمهات في حياتنا أيضاً ولايفوتني أن أذكر جانباً إنسانياً لاحدى المعلمات من الجنسية المصرية والتي كانت في ذاك الوقت معلمة لمادة التربية الأسرية مع احدى الطالبات اليتيمات، حينما كانت تشكو من بعض المشاكل الصحية فقد كانت تقوم بدور الأم بالإعتناء بها في المدرسة وتحرص على نظافتها الشخصية إلى ان استعادت الطالبة صحتها ناهيك عن العلاقات الإجتماعية التي كانت تربط أسرنا بمعلماتنا اللاتي يأتين الى منازلنا أيام الإجازات الرسمية أو نذهب لهن.
أحدى معلماتي كانت تعتني بحديقتي الفكرية الصغيرة في تلك الأيام وتشجعني على الكتابة والقراءة لكي أحقق حلمي بأن أكون ذات يومٍ صحفية تخدم مجتمعها فقالت لي مبتسمة:(سأعتني بك) كانت كلماتها دافعاً قوياً لكي أثبت لها مدى حبي لهذا الإتجاه واعتنائها بي من ناحية تشجيعي على إقتناء الكتب المثرية والتعرف على عالم الكلمات والمشاركة في المناسبات المختلفة لتتطور موهبتي في الكتابة، فكانت لي عوناً.
نعيش تفاصيل أيام الدراسة وحنيننا لمعلماتنا اللاتي كم نتمنى أن نلتقي بهن ثانية بعضهن مازال مستمراً في مسيرته التربوية وبعضهن تقاعد وبعضهن فارقن الحياة ـ رحم الله وبارك تلك الشخصيات الجليلة التي تركت بصماتها في نفوسنا وكان لهن الفضل في النهوض بمسيرة النهضة التعليمية في السلطنة ودعمها بكل مقومات التفاني والاخلاص لإيجاد جيلٍ مازال يتذكر جهودهن ويدعو لهن في ظهر الغيب، فكم نفتخر بتلك الهامات العظيمة من الجنسيات المختلفة ممن أثرن المعمعة التعليمية فكانت جهودهن ملموسة في أداء الرسالة التربوية المنوطة لهن.
رسالة عطرة لتلك الشخصيات التربوية العمانية من المعلمات والإداريات اللاتي كنَّ وما زلن مثالاً للمرأة القيادية، وتحية إجلال أبعثها لمعلماتنا خارج السلطنة، بارك الله جهودهن، فيوم المعلم هو يوم مجيد في تاريخ المسيرة التعليمية وشاهد على سمو الرسالة التي ليس لها حدود، وكل عام وأنتن رموز للخير ونهر يتجدد بالعطاء.

سميحة الحوسنية*

Hits: 41

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *