ما الذي يفتقده أجيال المستقبل في التعليم؟

Views: 38

أثير: يطرح تساؤلنا العديد من الموجهات التي ينبغي أن تدركها المدارس والجامعات في عملية بناء الإنسان وتشكيل شخصية أجيال اليوم، مواطنو الغد، وإلى أي مدى أدى الصخب الحاصل في شيوع المعرفة والاتساع في مجالات العمل البشري إلى إرهاق التعليم وتوجيهه إلى مسارات أخرى أفقدته أولويته في بناء الإنسان الواعي الباحث عن الذات بين مناهج التعليم ومساقات التدريس وفقه الممارسة التعليمية المؤطرة ؟  والدور المفترض الذي ينبغي أن يسلكه التعليم في احتواء الأجيال في ظل التناقضات والمزاجيات والسياسات الحاصلة في عالمه والتي أثرت في حياة الأجيال وفهمهم لذواتهم وقراءتهم لعالم الكبار ونظرتهم لمسيرة العمل العالمي في أطره السياسية والاقتصادية وغيرها في ظل سياسات المراهقة والمراهنة والفوقية التي يعيشها.

 على أن حديثنا عن التعليم كمحور أساسي في معادلة بناء الإنسان، لا يعني التغاضي عن أدوار ومسؤوليات  مؤسسات التنشئة الأخرى، كما أنه لا يعني  إضافة عبآ آخر على التعليم، يقلل من شأن ما يتخذه من مبادرات وفرص للنهوض بقدرات جيل المستقبل وبناء كفاياتهم المهنية، ولا يتنافى مع القول  بأن لكل جيل احتياجاته ورغباته وأولوياته التي تختلف عن غيرها في أزمان أخرى، بل لأنه في ظل الخصوصية التي يتميز بها وموقعه الحاضر في النفس البشرية والشغف الإنساني به، والفطرة التي اتجهت للإنسان  لتكون له القيادة والريادة والاستخلاف في ظل منهج العلم والمعرفة وامتلاكه أدوات الفهم والقراءة والكتابة والبيان، ليصبح التعليم المشترك الإنساني الذي يمتلك قوة التأثير وأرصدة النجاح ومساحات الاحتواء، لذلك كان على التعليم وهو الأقرب إلى  النفس، واكثر التصاقا بالذات، والأكثر انحيازا إلى الموضوعية والاعتدال الفكري وامتلاك سمة التعايش الإنساني في وضوح أهدافه وسمو معانيه، أن يمارس هذه الدور  فيؤسس في ذات الأبناء البحث عن الذات المفقودة في العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي والاعلام وجلسات الأصدقاء والرفقاء، ليمارس دوره  الاجتماعي والإنساني في الارتقاء بالإنسان فكرا وخلقا ونفسا ، فإن حالة الخوف والقلق  والتذمر والياس والسلبية التي يمر بها الأبناء أو إنسان اليوم  بحاجة إلى نظام تربوي يحتوي الإنسان ويتعايش معه ويأخذ بيده ويؤسس له منهجه في الحياة، مسار يثق فيه ويرتقي به، ويجد فيه طموحه، وينقل خلاله شغفه الذي لازمه ،  ويجيب عن التساؤلات التي يطرحها عن ذاته والعالم الذي يعيشه والتحديات التي يواجهها وكيف يغير من قناعاته ومنظوره الفكري ويرسم البسمة على محياه، ونوافذ الأمل في قادم حياته، ويؤصل  قيم الخيرية التي خلقت مع الإنسان المؤمن الملتزم بنهج السماء، المتعايش في صفاء، والمتعالي على كل مهددات الوفاء، والمعافي من كل أمراض النفس الأمارة بالسوء.

لنعترف بأنه لم تعد حاجتنا إلى التعليم اليوم محصورة في القراءة والكتابة – فهي عملية متلازمة مع التعليم -،  ولم ينبغي أن تكون الغاية الكبرى لمؤسسات التعليم المدرسي والعالي تنظيم البرنامج المدرسي والتنافس في عدد الأنشطة والبرامج والانضباط والمسابقات وزيادة عدد الخريجين الى التعليم العالي أو إلى سوق العمل، بقدر احتياجنا إلى صناعة الانسان الواعي، المدرك لذاته، السامي بأخلاقه، العارف بهويته، المعين لنفسه، السامق في تصرفاته، المتصالح مع نفسه والعالم من حوله، وكان على السياسات التعليمية والخطط والبرامج في المقابل دورا اخر يرتبط بنقل المتعلم إلى حالة الشعور بالقوة في مواجهة الإخفاق، والتعايش في مواجهة أزمات التعددية والمشاركة، والتخطيط في مواجهة حالة التخبط والعشوائية في القرار، ليسير على بينة من أمره، في اختياره وحدود انفتاحه، وفي التزامه واستقلالية تفكيره، وفي اتخاذ قرارة،  ليدرك أن عليه مسؤولية ترقية كل معالم حياته وصناعة الفرص واسعاد العالم بنبل طباعه وحسن أدائه وسمو اخلاقه ورقي فكره،  ينشر الأمان كما هو بحاجة إلى الأمان والاستقرار، وكان على التعليم أن يبحث عن ذات الإنسان، ويؤصل فيه مفهوم الاستثمار في الموارد،  كيف يستفيد من هذا التحول الذي تعيشه الإنسانية في بعض جوانبها، وكيف يوظف المحطات الايجابية لتؤسس في النفس الابتكار والتنمية والتطوير والريادة والتميز والقدوة والمبدأ والثبات على الهدف والتفرد والهوية، وغيرها من الموجهات التي بات البحث فيها منطلق لفهم الإنسان لنفسه وإدراك عالمه ومتطلبات التميز في حياته،  وما الإشكاليات النفسية والفكرية والأخلاقية  وحالة التذمر والانطواء والسلبية  وثقافة الخوف والقلق والعناد التي يعيشها إنسان اليوم ، إلا نتاجا لعدم  قدرة التعليم على سد هذه الثغرات، أو إعادة هندسة بناء الإنسان، أو ترميم هذا التصدع الحاصل في الذات واكسابه الثقة في قدرته، ليمارس دور الخيرية  والاستخلاف فينتج ويتطور ويقدم للإنسانية ولوطنه ولأسرته الكثير مما وهبه الله إياه،  كان على التعليم أن يبحث عن المعاني الكامنة في الأعماق وما بين السطور وفي تقلبات المزاج وتعكس صفو الذات وفهم الحالة التي يمر بها الطالب،  ليفتح له بصيص امل ونوافذ الحياة، فهو ما نعتقد بأن التعليم ما زال لم يؤسسه أو تعاطي به على استحياء، إذ هو ما يفتقدونه عندما تختبرهم المواقف.

ومع كل المعطيات الحاصلة يبدو أن الإشكالية الأكبر التي اتجهنا بالتعليم إليها، هو وضع التعليم في قوالب جامدة( التعليم للعمل والتعليم للوظيفة) متناسين المرتكزات الأخرى التي لا غنى لأي تعليم يحقق المنافسة في أبنائه عنها، للقناعة  بأن على التعليم أن يصنع  الإنسان  بكل محتوياته قلبه وعقله وثقافته وانجازه وعطائه، ويؤسس فيه ملامح القوة والبطولة والاقدام ، وأن يمتلك الممكنات النفسية والفكرية ويؤطرها لصالح  تشكيل شخصية الإنسان وبناء  مكونات القوة فيها، ويبقى على الجامعات والمدارس  وكل السياسات والبرامج الموجهة للتعليم أن تقرأ في إنسانية التعليم  مسارات المواطنة والهوية والتعايش والحوار والعمل والإنتاج وصدق الذات والثبات على المبدأ والرقي الذاتي والانطلاقة الفكرية والشغف والطموح ، وأن يبرز دور المؤسسات التعليمية في احتواء هذا الطالب وتفعيل  مهاراته وتمكين  بناء الوعي والثقافة الرصينة لدية، وتأسيسه بشكل يضمن قدرته على الاستفادة من كل المعطيات الحالية ويستفيد من كل المعلومات والأفكار التي يتعلمها  بشكل يعزز فيه حسن التصرف، وحس بلوغ الهدف والتعامل مع الإشكاليات التي باتت تؤرق حياته وتؤصل فيه ثقافة الوهن والخوف والتمرد، فلتعيد المدارس والجامعات أولوياتها التعليمية وتقرأ حقيقة ما يدور في خلجات هذه الصندوق من تفاعلات لتفهم دوافعها واسبابها ومسبباتها وتوجهها لتحقيق نقلة نوعية في حياته،  فكم من طالب  يعيش جسده في المدرسة والجامعة في حين يعيش قلبه وفكره في عالم آخر دون أن تؤثر تعليمات الممارسين وبوح المعلمين ومفاهيم المحتوى التعليمي والأنشطة في تصحيح مساره أو إعادة توجيه تفكيره أو طمأنته والأخذ بيده، إلا بعد أن افقدته الملاحظات الأكاديمية والتسرب والانقطاع وغيرها موقعه، فتتفاجأ بسلوكيات أخرى (الانحراف الفكري والسلوكي للطالب وتعاطيه المخدرات الخ)، دون امتلاكها لأدوات تشخيص الفعل أو الاحتواء، ليتجه بعد هذا الانفصال الحاصل الذي إلى السجون ومؤسسات الإصلاح والمستشفيات النفسية ومراكز الايواء أو إلى المحاكم وقبضة العدالة وشرطة الأحداث، فهل ستدرك المدارس والجامعات أن عليها  أن تؤسس في الطالب البحث عن ذاته في التعليم، ليجد فيه استراحته واشباع حاجاته النفسية والفكرية؟.

د. رجب بن علي العويسي

Hits: 22

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *