الأنشطة اللامنهجية بين الرفاهية والضرورة القصوى

Views: 80

الخليج: لا يختلف رأيان على مدى أهمية وضرورة وجود أنشطة لامنهجية في كل المدارس سواء كانت حكومية أم خاصة؛ لكونها أداة جذب للطلبة؛ ولأنها تدفعهم إلى حب الالتزام بالدوام اليومي، كما تعمل في اتجاهين لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، فمن جهة، تعمل الأنشطة على تعزيز المعلومات، وترسيخها في ذهن الطالب؛ إن كانت أنشطة صفية مرتبطة بالمنهج الدراسي، ومن جهة أخرى، تعمل على صقل مواهب الطلبة، وتعزيز مهاراتهم، خاصة إن كانت أنشطة لاصفية.
وتعد هذه الأنشطة معتمدة في كل المدارس (الخاصة والحكومية)، إلا أنه لوحظ في بعض المدارس، أن تعلم الأنشطة يكون مقابل دفع مبالغ مالية، وليس مجاناً، وهنا نقصد الأنشطة خارج الدوام المدرسي، كأن يكون في أيام الإجازة مثلاً، ولمن أراد تسجيل ولده؛ كي يكتسب المهارات ويدخل في المباريات، وإلا فليكتف بالأنشطة الأسبوعية ضمن البرنامج الدراسي. كما لوحظ في بعض المدارس أنها تضيف مادة الرياضة البدنية والألعاب الرياضية إلى قائمة المواد المحسوبة في علامات الطالب، وهو ما أثار استغراباً كبيراً لدى الأهالي، فعلقت إحدى الأمهات: «ابني لديه امتحان غداً في كرة القدم فكيف سأراجع معه هذا الدرس؟»

تشير ليلى أبو ذكري، موجهة في التربية الموسيقية، ومدرسة موسيقى لأكثر من 30 عاماً، أن مادة التربية الموسيقية، كانت من ضمن المواد الدراسية العادية في المنهج، وكانت علاماتها محسوبة، خاصة أن المادة مقسمة على أكثر من فرع لاصفي؛ مثل: الأوبريت؛ والطابور الصباحي؛ وحفلات الأعياد الوطنية، وأما النشاط المنهجي فيتعلق بدراسة القواعد الموسيقية، وقراءة النوتة وغيرهما، وكان معدل التدريس ساعتين أسبوعياً، وبرأيها أن «النشاط المنهجي»، يجب أن يكون المسؤول عنه شخص محترف وخبير كي يحصل التلاميذ على العلامة الكاملة.
وتعقب بالقول إن طالبات متفوقات لم تكن لديهن أية موهبة، وكنت أكلفهن بإجراء أبحاث عن آلات موسيقية وتطورها أو عن تاريخ الموسيقى، وذلك كي لا ينخفض معدلهن الدراسي.
وعن رأيها في المدارس التي تأخذ مقابلاً مادياً جراء برامجها اللامنهجية خارج ساعات الدوام قالت: «كنت أدرس في مدرسة حكومية وبالتالي لم يكن هذا الأمر وارداً، لكنه يحصل في المدارس الخاصة، التي حدث وأن تعاملت مع بعضها لتقديم حصص في الموسيقى وكانت تأخذ نصف المبلغ وتعطيني النصف الآخر».
وعن فوائد الأنشطة اللامنهجية تؤكد، أن أية مدرسة لا توجد فيها هذه الأنشطة، ستكون مقصرة في عملية نماء التلاميذ، لأنها أساسية ومؤثرة في نفس الوقت في اكتشاف مهارات الطفل منذ البداية وترسيخها لاحقاً. فهؤلاء الأساتذة هم الذين يكتشفون مكامن القوة والموهبة في الطفل وينمونها، وبالتالي يشعر الطفل بالاتزان في شخصيته.

الأنشطة تكسر الجمود

محمود عبد الواحد، معلم لمادة الرياضيات، من واقع تجربته، قال: «يمكن استغلال الأنشطة في كل المواد الدراسية، وفي مختلف المراحل الدراسية، لدفع الطالب لحب المادة والمدرسة، وسرعة استيعابها وفهمها، فالطالب الذي يدرس المنهج الجامد، سرعان ما يشعر بالملل، ومن واجب المعلم تحفيزه بالأنشطة المتعلقة بالمادة، فالبعض يظن أن الأنشطة تقتصر على الرياضة والموسيقى والرسم، لكن في الواقع هناك أنشطة صفية مرتبطة بكل مادة، وغيرها الكثير من وسائل الجذب، فقد سعيت وطوال سنوات عملي على كسر جمود مادة الرياضيات من خلال الأنشطة المحفزة، وبالفعل نجحت هذه التجربة ولاحظت تطوراً وتحسناً من التلاميذ وإقبالاً على المادة، لأن الأنشطة المحفزة تحفز الطلاب على العمل والتقدم».

الأنشطة وتحفيز التعلم

فاطمة الخطيب، موجهة تربوية قالت: «من المهم أن يحرص المعلم على تطوير أساليب التعليم الخاصة به، وأن يعمل على تحفيز الطلبة وجذبهم بكل الطرق، وإحدى هذه الطرق، الأنشطة اللامنهجية، وإن كانت خلال ساعات الدراسة؛ بحيث يتم الدمج بين التدريس والمرح لتوصيل الفكرة بشكل سلس وبسيط، وهذا برأيي أسلوب التربية الحديثة، خاصة أن الطالب يشعر بالضغط من الفروض والواجبات الكثيرة كلما تقدم في سنواته الدراسية، مقابل مال أو من دونه، لا أحد ينكر ما لهذه الأنشطة من فائدة على الطالب وأيضاً على الأستاذ، بل تكسر الجدار لتصبح العلاقة بينهما علاقة صداقة وليس فرضاً».
ويختلف قياس الأنشطة اللامنهجية بين المدارس الحكومية ونظيرتها الخاصة، فالأولى لا تقبض فلوساً مقابلها بحكم أنها مجانية، في حين تطلب مدارس خاصة رسوماً مادية، وهو أمر متعارف عليه؛ حيث يتم استخدام طرق لجذب الطالب للتسجيل فيها، كضمه إلى فريق المدرسة كلاعب، إضافة إلى لائحة طويلة من الأنشطة التي يكون سعرها في النوادي الخارجية أقل بكثير.

المشاريع المدرسية جيدة لتثبيت المعلومات

وتؤكد حلا قوجه، الطالبة في الصف السادس الابتدائي، أن مثل هذه المشاريع المدرسية جيدة لتثبيت المعلومات، وتنفيذها بشكل عملي، وبهذا سيفهم الطالب الدرس بشكل أوضح، لكن شرط أن ينفذ المشروع بنفسه، والأفضل هنا العمل ضمن حلقات داخل الفصل، أي تخصيص حصة لممارسة هذه الأنشطة، وبهذا تتوزع الطلبات على أكثر من طالبة ويقل الضغط المادي.
دانية أحمد، طالبة في الصف التاسع، تحدثت قائلة: «تشكل الأنشطة والمشاريع المدرسية ضغطاً كبيراً على الطلبة، من الناحية المادية من جهة ومن ناحية ضيق الوقت من جهة ثانية، فالطالب ومع صعوبة المناهج خاصة في المرحلة الثانوية، بالكاد يجد الوقت للمذاكرة، ويصبح من الصعب عليه أن ينجز مشروعاً، وفي حال العمل الجماعي في الفصل يقل بالطبع الوقت والجهد والمال، لكن أيضاً من الصعب أن نجد حصة فراغ ننجز فيها المشاريع، ومن المستحيل أن تتنازل معلمة عن حصتها بسبب ضخامة المنهج، لذا من الظلم أن تدخل هذه المشاريع ضمن علامات الطالب، لأنه أحياناً يستعين بالأهل أو بالمشاريع الجاهزة بسبب ضيق وقته».

نوادي الابتكار

نادين محمد وهبي 15 سنة طالبة في الصف الحادي عشر في مدرسة خاصة قالت: «إن الأنشطة اللامنهجية التي نقوم بها في هذه المرحلة الدراسية، تختلف عن المراحل الأولى أو المتوسطة للدراسة أو بتعبير آخر، أصبحت أكثر نضجاً، بحكم أننا قطعنا هذه المراحل وأصبحنا في المرحلة الثانوية وعلى أبواب التخرج».
وأضافت: «لذا لم يعد ضمن جدولنا حصص للموسيقى أو الرسم أو أي شيء آخر، بل توجد نواد متنوعة ضمن حرم المدرسة، كل طالب يسجل في النادي الذي يتناسب مع هواياته وتطلعاته واهتماماته، فمثلاً الطالب المميز في مادة الرياضيات ينضم إلى نادي الرياضات، والشاطر في العلوم ينضم إلى نادي العلوم، وكذلك اللغة العربية، وغيرها، وفي هذه النوادي يكون المسؤول عنها أستاذ المادة، وبالمناسبة، في بعض الأحيان نكلف من طرف الأستاذ بمشروع متعلق بمادة دراسية ومثل هذه المشاريع يكون عليها علامات، وفيما يتعلق بالجانب المادي لا توجد رسوم للتسجيل، لكن عند تنظيم رحلة إلى مكان ما، يدفع كل طالب تكلفة المشاركة».

مصلحة الأبناء

وتعقب والدتها سهام وهبي، بالقول: «للأنشطة اللامنهجية تأثير كبير على نفسية وطبيعة وتصرفات الطلبة، وهذا ما لاحظته بنفسي على ابنتي التي كانت خجولة إلى حد ما، إلا أنها استفادت من المشاركة في النوادي المدرسية لتتحول إلى شخص اجتماعي لبق يجيد الحديث مع الآخرين بكل احترام، لذا أتغاضى عن الجانب المادي كلياً، لأنني أريد الأفضل لابنتي، واعتقد أن كافة أولياء الأمور يفكرون مثلي».
وعلى صعيد آخر، تضيف: «وجدت أن الانشغال بالأنشطة والتحضير لها، يبعد الأولاد عن استخدام وسائل الاتصال الاجتماعية، وإضاعة وقتهم بما لا يغني ولا يفيد بل ويجعلهم منعزلين عن محيطهم الطبيعي».

تكامل المناهج والأنشطة

تنقسم الأنشطة التعليمية بكل أنواعها، إلى مجموعة أقسام، منها الأنشطة الذهنية والترفيهية والرياضية والموسيقية وغيرها، وهي عموماً وبكل أنواعها تعد داعماً ودافعاً للطالب لينمي مواهبه وإمكاناته، وقد أودع الله سبحانه وتعالى، عند كل إنسان موهبة ما، وعادة لا يعرف الإنسان كيف يخرجها لحيز الوجود ويستفيد منها في حياته التعليمية والمهنية فيما بعد، ومثل هذه الأنشطة المدرسية تساعد الطالب عادة على اكتشاف موهبته والاستفادة منها إيجابياً.ومن المفروض أن تكون المناهج الدراسية مختلفة عن الأنشطة ومكملة لها في الوقت ذاته، بشكل يعمل على تنمية شخصية الطالب وتفكيره وتجديد نشاطه.

الأنشطة اللاصفية على الرف

تعبر مريم الشحي، رئيسة مفوضية المرشدات في رأس الخيمة، عن حزنها وأسفها لغياب الأنشطة اللامنهجية في المدارس الحكومية، بل أصبح الاهتمام بها لا يكاد يكون ملموساً على سبيل المثال غياب الحركة الإرشادية والكشفية عن المدارس، والتي كانت أساساً لفرقنا الكشفية، وللأسف، فإن الاهتمام أصبح شخصياً، ويعود لرأي المدير ورغبته في أن تكون هناك أنشطة لاصفية أو العكس.
وأشارت إلى أن جيلهم حظي بالكثير من الفرص من خلال الأنشطة، كالمشاركة في بطولات محلية وعربية وخليجية في جميع مجالات الرياضة مثلاً، في السبعينات والثمانينات، والمناطق التعليمية كانت تأخذ على عاتقها المسؤولية المادية وليس الطلبة.
وفي ما يتعلق بالعلامات قالت: «أذكر أن أنشطة التربية الأسرية والتربية الرياضية والفنية والموسيقية، كانت تحسب جميعها ضمن العلامات والدرجات، وتؤخذ بعين الاعتبار.
وتشير إلى أن حالة المدارس، اختلفت اليوم، وأصبح الطلبة، يستخدمون الأواح الإلكترونية، من هنا ساءت خطوطهم، وأصبحت لديهم صعوبة في مادة الإنشاء؛ لكون التركيز فقط على اللغة الإنكليزية، ووضعت الأنشطة اللاصفية على الرف».

عائشة القاسمي:إدارات مدرسية لا ترغبفي التركيز على «اللامنهجية»

الشيخة عائشة بنت محمد القاسمي، تدرجت في السلم التربوي من معلمة مروراً بمديرة مدرسة، وصولاً إلى مدير عام التربية والتعليم في حكومة الشارقة، قالت: «اعتدنا في الماضي على مسرحة المناهج لإيجاد انسجام بين المناهج الدراسية والأنشطة اللامنهجية، فكنا نقوم باختيار الموضوعات من الكتب ومسرحتها، وتحويلها إلى مسرحية، وكانت الطالبات متجاوبات كثيراً؛ لكون هذا الأمر يسهل الكثير عليهم في الدراسة والفهم والمراجعة، ومن الأنشطة الرائجة والتي كانت تستقطب اهتمامهن، النوادي المتنوعة، فهناك العلمي والفني والثقافي والرياضي وغيرها، بحيث يختار الطالب المجال الذي يجد فيه هوايته وميوله، وعلى صعيد آخر كنا نوجه الطلبة إلى الاهتمام بخدمة البيئة، ونقوم بحملات تنظيف، إضافة إلى أنشطة الموسيقى لجميع المراحل الدراسية، أما التربية الرياضية، فقد كان لها دور كبير في المدارس».
وأضافت: «نجد اليوم، أن هناك مدارس ما زالت تتبع هذا المنهاج في الأنشطة، وفي المقابل نجد العكس؛ حيث لم يعد لبعض الإدارات المدرسية الرغبة في التركيز على الأنشطة اللامنهجية، أو لكون مديرة هذه المدرسة غير مقتنعة بها فيتم إلغاؤها، فتغلق باب الأنشطة، وفي المقابل تكثف الساعات الدراسية التي تركن كثيراً إلى الحشو بالمواد الدراسية والضغط على الطالب، فتتحول البيئة المدرسية إلى بيئة غير جاذبة، وهذا يشرح لنا لماذا أصبح الطلبة ينفرون من المدرسة، وأيضاً من أساتذتهم».
وبالنسبة للمراحل الدراسية الأولى بالذات، تبرز أهمية الأنشطة المدرسية بشكل كبير، بل وتدخل في صميم الدراسة وتعليم الطلبة، وكل من يظن أن ممارسة الأنشطة على اختلافها من رياضة ورسم وموسيقى وغيرها، تنعكس بالسلب على الأداء التعليمي للطلبة فهو مخطئ، بل العكس هو الصحيح، فممارسة الأنشطة على اختلافها تخدم العملية التعليمية ويسهم في وصول المعلومة وترسيخها في ذهن الطلبة، وخاصة في هذه المرحلة المبكرة من أعمارهم.
إن النشاط اللاصفي، هو نشاط مكمل ومتمم للمنهج الدراسي، كون الأنشطة تنمي مهارات الطلبة وتشبع ميولهم واتجاهاتهم وتعزز الهوية الوطنية، وتثري تحصيل الطلبة والعمل الجماعي، وكل ذلك يخلق منه شخصية قيادية غير منطوية.

Hits: 3

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *