هوية التعليم يصنعها المواطن

Views: 9

أثير: تطرح مسألة هوية التعليم اليوم على المجتمعات البحث عن إطار وطني توافقي تعمل عليه مختلف القطاعات الوطنية مع مؤسسات المجتمع المدني واولياء الأمور، وبمشاركة القطاع الخاص وقطاع الاعمال والإنتاج نحو بلورة صيغة تعليمية تتعاطي مع التطور الحاصل في عالمية منظومة التعليم عامة وعلاقتها بالبعد الاجتماعي الوطني والهوية من جهة، وقدرتها على خلق تناغم بين مخرجات التعليم ومنتجه بكل من الاقتصاد والوظيفة والمؤسسات والحياة الشخصية والأمن ، بمعنى أن تسهم هوية التعليم إلى تعميق النظرة الإنتاجية للتعليم بالشكل الذي يصنع منه عامل انتاج فعلي وقيمة مضافة في الساحة الوطنية، ومؤثر فاعل في بناء القدرات وصناعة القدوات التي تتعاطى مع متطلبات الواقع، وتستدرك احتياجات المستقبل بوعي ومهنية .
ومعنى ذلك أن صناعة الهوية التعليمية يحددها إنسان الوطن وقطاعاته ومؤسساته، كيف نريده وأين نريد ان يصل في نهاية الامر، وماذا نريد منه أن يحقق لنا على صعيد بناء الانسان واستراتيجيات نهضة التنمية، مستمدين القوة من مبادئنا وأخلاقنا وهويتنا الوطنية، وتجاربنا السابقة ونجاحاتنا المتكررة وطريقتنا في التعاطي مع احداث العالم ، واعين بأسباب الإخفاقات متجنبين الوقوع فيها في قادم الوقت، ومستفيدين من التجارب الدولية الناضجة والتوجهات السليمة التي تتكيف مع مبادئنا الوطنية والتي تحظى باهتمام دولي بها وتقدير عالمي لنواتجها، واضعين في أولويات العمل تلكم الخبرات والتجارب والنهضة الفكرية التي يمر بها العالم، وتستهدف تمكين التعليم من تحقيق غاياته، والوصول الى أهدافه، مراعيا في كل خطواته واليات عمله خصوصية المكان وطبيعة الزمان وحاجة الأشخاص واهتمتاهم واولوياتهم والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والمعلوماتية والتقنية وغيرها والطفرات المعرفية الأخرى التي تعطي العالم فرص أوسع في البحث والمراجعة وصناعة التوجهات واكتشاف الوسائل، والتنويع في الأساليب.

ومع التأكيد على أن عالمية التعليم اليوم تضعنا أمام مسؤولية البحث خارج الصندوق وفهم محتوياته، وأن تفكيرنا بشأن تصحيح المسار يجب أن ينطلق من قراءة لما يدور حولنا في العالم، إلا أن ذلك ينبغي أن يبنى على مرتكزات وثوابت وطنية، ليكون التطبيق مستندا على حقائق الواقع، ملامسا لمقتضياته، متناغما مع أولوياته مقدرا لاحتياجاته، ليثبت من خلال ما يحققه من نواتج، قدرته على إدارة ملامح التغيير وتوجيه بوصلة الهدف، وتكوين منصات التطوير، بالشكل الذي يضمن قدرتنا على تشخيص احتياجاتنا من التعليم، ورصد واقعنا والوقوف على مكمن المشكلة والتحدي، والية المعالجة، وخطوات العمل القادمة وتصحيح الأوضاع القائمة، ورسم ملامح المستقبل عبر سيناريوهات متكاملة وشراكات متجذرة وتشريعات وأنظمة ولوائح عمل قادرة على إدارة موجهات العمل وضبط أي انحرافات قد تحصل على مستوى الأداء.

إن ما اتخذته السلطنة من مسارات عمل واضحة في بناء رؤية عمان 2040، والتي يشكل التعليم أحد أهم مرتكزاتها وأطر نجاحاتها مع بناء المورد البشري وتعميق هندسة البناء الذاتي للمواطن في الثورة الصناعية الرابعة القادمة ، والانعكاسات المترتبة على ضمور سوق الوظائف في قادم الوقت في ظل نواتج الذكاء الاصطناعي والروبورت وغيرها، يؤسس لدور أكبر للمواطن نفسه ( صانع التغيير والواعي بالاحتياج والمدرك لطبيعة العمل) في أن يقرر بنفسه نوع التوجه الذي يريد، وطبيعة العمل الذي يرغب، والمسار الصحيح الذي يجب أن يسلكه، مع وضع كل الآراء والأفكار المطروحة دوليا حول التعليم محل تقدير واهتمام، وبالتالي تبقى كلمة الفصل للمواطن العماني نفسه في صناعة انموذج راق من التعليم يستجيب لمتطلبات المرحلة ويتفاعل مع احتياجاتها الاقتصادية والتشريعية ويضع التعليم امام مسؤولية البحث عن موقع له في صناعة الخبرة الوطنية وإدارة النموذج التعليمي الواعي الذي يتوافق مع حاجة المجتمع، فهو من يصنع هوية التعليم، ويحدد أرصدته ويقرر نجاحاته ، وبالتالي تصبح التجارب الأخرى موجهات نحدد من خلالها بوصلة العمل، ومسار تقييمي في قياس مؤشرات الأداء حول التعليم ، وأين نقع في ظل المشهد العالمي في التعليم.

وعليه فإن صياغة هذا التوجه بما يعكس الهوية العمانية للتعليم ( أهدافه وغاياته ووسائله وأدواته ونواتجه) ويستجيب لمبادئ فلسفة العليم مرتبط بأمرين، يقوم الأول على، مستوى التناغم والشراكات الفعلية الحاصلة بين مؤسسات التعليم بمختلف مسمياتها واسمائها ومستوياتها التنظيمية والإدارية وأنواع التعليم وتخصصاته واختصاصاته، وما يمكن أن يمثله مجلس التعليم من سياج وطني يحفظ هذا النسيج التعليمي ويصونه ويضع له التشريعات والقواعد والأسس التي تحفظ بقاءه ضمن سقف محدد ومؤشر واضح، ومسؤولياته في خلق هذا التناغم وتأطيرة وتقنينه، وتوفير الممكنات التشريعية والفكرية والتعليمية والاستراتيجيات والقوانين الداعمة، وما يمكن أن يقوم به من دور رقابي نافذ على مؤسسات التعليم في معالجة أي انحراف عن تحقيق المعايير، أو الوصول إلى سقف التوقعات ومؤشر العمل المطلوب الذي يحققه التعليم وفق دلائل وشواهد اثبات على تحقق معايير النجاح والوصل إلى معايير الإنجاز وتؤسس عليه الكفاءة الداخلية لمؤسسات التعليم، والممارسة التعليمية الحاصلة فيها، وأما الآخر فيرتبط بحضور المواطن الفعلي وتمكينه من المشاركة في رسم خريطة التعليم، ومنحه الصلاحيات المناسبة لإثبات وجهات نظره وكفاءة مبرراته، وضمان موضوعية اقتراحاته، وتوفير التشريعات التي تحفظ له حقوقه في المشاركة البناءة في صياغة الأهداف وتقييم الأدوات ومراجعة آليات العمل ، وبالتالي ضمان الاستفادة القصوى من الخبرة الوطنية والكفاءات العمانية والثقة فيها وتأهيلها وتدريبها ودعمها، وفتح المجال لها للابتكار والابداع والالهام والبحث والتجريب والتطوير الذاتي في رسم سيناريوهات العمل القادمة، وتعظيم الاستفادة منها وتمكينها من قيادة المبادرة في صياغة رؤية العمل القادمة.

إننا نؤكد في الوقت نفسه على القيمة المضافة التي يمكن أن تسهم بها الكفاءة التعليمية من ممارسين في ميدان التعليم (معلمين ومشرفين وطلبة)، وراسمي السياسات التعليمية من مستشارين وخبراء في التعليم وأساتذة أكاديميين وغيرهم من القادة التربويين في الميدان التعليمي والمواقف التنفيذية في بناء انموذج التعليم القادم، إذ من شأن ذلك تعزيز هوية التعليم الضامنة لمسارات التناغم بين النظريات والتطبيقات ، والسياسات والبرامج والخطط ، ليؤسس بدوره لهوية تعليمية تحدد معالم الطريق والسلوك التعليمي القادم على مستوى كفاءة المورد البشري وما تمتلكه المخرجات التعليمية من مهارات وقدرات واستعدادات، او على مستوى التحديث في التشريعات والقوانين، أو في صياغة الهياكل التنظيمية وثقافة العمل المؤسسي.

د. رجب بن علي العويسي

Hits: 2

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *