السلوك الوالدي وامتحانات الطلبة

Views: 78

أثير: تُلقي فترة امتحانات الطلبة بظلالها على الواقع الأسري، فمع بدء امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول لطلبة صفوف النقل  من التعليم الأساسي والعام وما في مستواهم، تتجه أنظار الوالدين إلى رفع سقف التوقعات التي يمكن أن يصنعها الأبناء في الورقة الامتحانية، فتصبح فترة عصيبة لدى الكثيرين منهم ، وينظر إليها في كونها حالة استثنائية طارئه تعيشها الاسرة وتتعامل معها بجدية غير مسبوقة، يعيش فيها الوالدين عامة والأم بشكل خاص حالة القلق النفسي في رغبتهم جميعا في أن يحصل الأبناء على مستويات  تحصيلية مناسبة ونتائج مرضية، وما تؤديه هذه الفترة من  سلوكيات  قد تتجافى مع النهج المرغوب عبر الزام الأبناء بالمكوث  في البيت، وعدم  مشاهدة التلفاز أو التقليل من الزيارات الخارجية  أو استقبال الضيوف والتعذر عن قبول أي دعوة  لزيارة  الأهل إلا في  حالات ضيقة، وغيرها من الأمور التي تعكس واقع أسري مزدحم بالكثير من المسؤوليات، القاسم المشترك فيه ” اختبارات الطلبة”، والتي ُيفهم منها، المزيد من الحرص الأبوي ورغبة الشعور النفسي لدى الوالدين بتفوق أبنائهم، ومع أن هذا الأمر حالة صحية وسلوك متوازن ورسالة يبعثها الاباء للأبناء مفادها: أن فترة الامتحانات  لها خصوصيتها وتستحق هذا الاهتمام من قبلهم، في التأكيد على أهمية استشعار الأبناء لهذه المسؤولية

واحساسهم بقيمة المساءلة والتقييم والمراجعة في حياتهم كجزء من منظومة التفوق وحس المنافسة.
إن  التخّوف المرتبط بالسلوك الوالدي في التعامل مع الموضوع ، ناتج من محاولة التقليل من أن يؤدي هذا السلوك، إلى مزيد من الضغط النفسي على الوالدين ، وردات الفعل السلبية في أحيان كثيرة، عندما لا يستجيب بعض الأبناء بشكل مباشر وبصورة ذاتية اختيارية للاستذكار الذاتي والقراءة والتلخيص وحل الامتحانات  خاصة طلبة الصفوف 4- 9 ، إذ ما زالت عملية المراجعة والاستذكار لدروسهم  مرتبطة بجلوس الوالدين معهم أو متابعتهم المباشرة، بحيث يمارس الوالدين دور المعلم والمتعلم في الوقت نفسه وليس بالاكتفاء بالنصح والتوجيه من بعيد،  وهو أمر يزيد من قلق الوالدين وشعورهم بعدم الاريحية خاصة مع تعدد الأبناء  ومن يحتاجون للمساعدة والأخذ بأيديهم، حتى مع اتجاه البعض للدروس الخصوصية لبعض المواد،  وبالتالي ما يستدعيه هذه الحالة من الوالدين انفسهم  من  إعادة هندسة هذا السلوك عبر المزيد من الهدوء والاريحية  والاستقرار النفسي والفكري، أي أن لا يكون هذا الحرص مدخل  لتعكير المزاج أو رفع الصوت أو التأنيب السلبي للأبناء بالمقارنات والتقليل من جدية هذا الاهتمام،  وأن لا يكون مبرر لتصرفات غير محمودة وأساليب غير مرغوبة  تتيح للأبناء أعذار الهروب من  طلب الدعم او المساعدة الوالدية ومشاركتهم والديهم هذه المهمة ، في حين أن المتوقع أن يجد الأبناء في تلك الفترة  بيئة  إيجابية  نفسية مريحة تدفعهم إلى المزيد من الإنتاجية والالتزام والانضباط وتقلل من فاقد المشاعر السلبية.
وبالتالي نقل مفهوم الامتحان إلى كونه مساحات استراحة  يشعر فيها الأبناء  بفرصتهم لإثبات الذات وتحقيق التميز، بحيث يصنع الوالدين من هذا المدخل  فرصة  لخلق جو من الحميمية مع الأبناء بالشكل الذي يشعرهم  بمشاركتهم تحقيق الهدف  وحس الإيجابية في النظر إلى مفهوم الامتحان، كونه مدخل لتقوية عزيمة الشعور بالمسؤولية وتوظيف المعلومات واستدعائها واستذكارها  ووضعها في إطار  الإجابة عن التساؤلات المطروحة،  ليتحول المنظور المجتمعي للاختبار من النظرة الضيقة إليه في  أيام الامتحانات إلى كونه  سلوك مستدام ومعيار  للتقييم يواكب الإنسان  في كل محطات  النهاية ومنطلقات البداية ، فهو وسيلة  لقراءة  القدرات وفهم المعطيات، وسبر عمق الحقيقة والبحث عن التميز وإرادة النجاح وضبط كل المتغيرات التي  يواجهها المتعلم  في حياته اليومية عامة وفي بيئة التعليم والتعلم خاصة، وعندما يضع الأباء هذا المنطلق في لغة خطابهم وطريقة حوارهم ، والصورة الذهنية العاكسة التي يتم نقلها للأبناء، والأبعاد النفسية والفكرية والقناعات التي يتم توليدها في ظل  معادلة التوازن في التعامل مع الورقة الامتحانية والموجهات الايجابية الأخرى التي ترفع من معنويات الأبناء وتأكيد الثقة بالله والدعاء، عندها تتكسر لدى الأبناء كل المنغصات وتزول مسببات القلق والخوف والأوهام من عدم الإنجاز بشكل مرض في الامتحان  لكونه صعب أو لا يفهمه إلا الأذكياء.

ويصبح على الوالدين في هذه الفترة الامتحانية البحث عن مساحات أمان أكبر للأبناء للتعبير عن ذاتهم، وإعادة صياغة المنظور الفكري السائد لديهم حول الامتحان والفلسفة التي يقوم عليها ، وبالتالي تأصيل مثلث التوازن في معادلة السلوك الوالدي في اثناء الامتحانات، الذي يقوم على: الحرص والاهتمام ورفع المعنويات، وتعزيز الثقة،  وتهيئة الطالب في التعامل مع كل الاستثناءات الحاصلة في حياته عبر الجاهزية المسبقة لها،  وهو ما يؤكد  أهمية تعويد الأبناء على  استثمار فرص المذاكرة  والمراجعة والتحضير منذ بداية الفصل الدراسي  لا تقتصر على فترة الامتحانات فحسب، إن التأكيد على تكامل دور الوالدين  معا ودخول الأخوة غفي خط التأثير الايجابي ودعم التكاتف الأسري من أجل ممارسة امتحانية راقية، منطلق لعدم تحميل الوالدين عبء أكثر يفوق طاقتهم، ولبناء ارضيات أكثر استقرارا ينعكس على تصرفاتهم ومزاجهم في التعامل مع متطلبات هذه الفترة، ويصبح دور الممارسين في المدارس والمشرفين التربويين ولغة الخطاب التربوي التعليمي ومستوى توفر البرامج التدريبية المناسبة للوالدين والطلبة  في المدارس في التعامل مع هذه الفترة والمحفزات المرتبطة بها أحد الموجهات الداعمة لبروز دور أكبر للتفاؤلية والانبساطية  والمرونة  في التعامل مع مفهوم الامتحانات وفلسفة التعامل مع الورقة الامتحانية.

د.رجب بن علي العويسي

Hits: 2

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *