التعلم الذاتي.. الكنز المفقود في مجتمعات المعرفة

عدد المشاهدات: 17

الرؤية: تتجدد المعارف والعلوم في كل يوم في شتى مجالات الحياة المختلفة؛ بسبب الانفجار المعرفي والثورة التكنولوجية، الأمر الذي يدفعنا أن نجدد معلوماتنا حول الأشياء المحيطة بنا، وطوق النجاة لاستيعاب ذلك يتمثل في إتقان وامتلاك مهارات التعلم الذاتي فهي صمام أمان لمواصلة التعلم مدى الحياة.

والتعلم الذاتي هو العملية التي يقوم فيها المتعلمون بتعليم أنفسهم بأنفسهم مستخدمين المصادر التعليمية المتاحة دون مساعدة مباشرة من المعلم من خلال المرور على المواقف التعليمية المختلفة لاكتشاف المعلومات والاتجاهات والمهارات حيث ينتقل المتعلم إلى محور الاهتمام بدلا من المعلم.

 وهذا النوع من التعلم يحقق تعليما يتناسب مع قدرات المتعلم وسرعته في التعلم ويعتمد على دافعية المتعلم الذاتية، والذي يكون له فيها دورا فاعلا يمكنه من اتقان مجموعة من المهارات اللازمة لمواصلة تعلمه بنفسه، حسب مستواه وشغفه بالعلم والمعرفة، بذلك يستطيع مواكبة ركب الحضارة المتجددة والتي قد لا تستوعبها نظم التعليم، الأمر الذي يحتم عليه اتقان مهارات التعلم الذاتي ليستمر في تعلمه مدى حياته، ليسهم في عملية التجديد الذاتي لنفسه وللمجتمع ويستطيع مواكبة كافة مستجدات حركة الحياة.

ولتعزيز مهارات التعلم الذاتي في بيئات التعليم فلا بد من قيام المعلم بتشجيع المتعلمين على إثارة الأسئلة المفتوحة الإجابة أو الأسئلة التشعبية والبعد عن الأسئلة المغلقة، وتحفيز المتعلمين على التفكير الناقد وإصدار الأحكام، وتنمية مهارات القراءة السريعة والتدريب على التفكير فيما يقرأ لاستخلاص المعاني وتنظيمها وترجمتها محتوى مكتوبا، وممارسة المعلم لاستراتيجيات الخرائط الذهنية والعصف الذهني، ثم لا بد من ربط التعلم بالحياة العملية لكي يستطيع المتعلم فيما بعد توظيف ما تعلمه على أرض الواقع ومواصلة تعلمه مدى الحياة، وتحفيزه للحصول على مصادر المعرفة لملء شغفه بالعلم، ومساعدته على حل مشكلات واقعية في الحياة.

 وهنا يجب أن ندرك بأنّ التعلم الذاتي هو عبارة عن مهارة مركبة، تتألف من عدد من المهارات الأخرى، والتي يجب الجمع بينها لإتقان هذه المهارة فائقة الأهمية، وهذا فعلا ما قد ما يصنع الفارق بين شخص وآخر في محاولات التعلّم غالبًا. كمهارة التخطيط ومهارة القراءة والكتابة والاستماع والحوار والتفكير النقد والبحث والتدوين والتسجيل والتقييم وإدارة الوقت والضغوطات ومهارة معالجة وتخزين المعلومات ومهارة اختيار مصادر التعلم المناسبة.

والجديد بالذكر هنا أن المضي قدما من أجل اكتساب هذه المهارات قد أضحى من الضرورة بمكان في عصر العولمة والانفجار المعرفي والتقني المستمر، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا النسق، كيف يمكن توظيف كل هذه المهارات معًا للوصول لأفضل استفادة ممكنة من هذه القوة الذاتية والطاقة الكامنة لاستخراج الكنز المدفون في حنايا أنفسنا والتي تستثير الحماس والطموح من داخلنا لتوجيه تعلمنا ليكون تعلما حقيقيا، ننتهجه كأسلوب حياة حيث إنه بإرادة التعلم نحصل على “ميراث بناء المستقبل”؟  وتطبيق خطوات التعلم الذاتي يصحبك في رحلتك للتعلّم خطوة خطوة للوصول للهدف المنشود، وقرار التعلّم ذاته، من الخطوة الأولى وحتى الخطوة الأخيرة، والتي بدورها تسلمك للبدء في رحلة شائقة وممتعة وجديدة. لكن دعني أخبرك في نهاية رحلتنا نحو التعلم الذاتي بأنّك قد لا تملك كل المهارات المطلوبة للصعود إلى سلم المجد ومصافحة الثريا في آن واحد، وقد تملك أغلبها ولكن دون تمكن، وهذا ليس عيبًا على الإطلاق؛ لأنّ المهارة هي شيء يمكنك العمل على اكتسابه مع الوقت، الشيء المهم فعلا أن يكون لديك القدرة دائمًا على إدراك مستواك الحالي، ومحاولة تغيير نفسك بنفسك وترميمها عما شابها من قصور ونقص “فما حك جلدك إلا ظفرك”؛ لأنّ هذا ما سوف يساعدك في مواصلة رحلة التعلمّ واكتساب مزيد من المهارات والمعارف والمعلومات، ومع مضي الوقت والمحاولة والخطأ ستصبح أكثر تألقا وقوة في مواجهة نوائب الدهر ونوازل الأيام فالعقبات التي نتخطاها اليوم هي الثمن الذي يجب دفعه للحصول على الإنجازات والنجاحات في الغد، والحكمة تقول: “لا ينبغي أن يشعر الإنسان بالعار من الاعتراف بالخطأ.. لأن ذلك يعني بكلمات أخرى أنه اليوم أكثر حكمة من الأمس”، فعظيم الهمة يجد متعته وسلوه فيما يصادفه من المصاعب من أجل الوصول إلى القمة، والتي غالبا ما تكون محاطة بالمكاره، والأخطار الجسام والعبور إليها لا يكون إلا على جسر شاق من المتاعب والمهالك، فذو الهمة إن حُطَّ فنفسه تأبى إلا علواً، كالشعلة في النار يصوبها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعاً، من هنا كان لا بد من تظافر الجهود المؤسسية من أجل ترسيخ مبدا التعلم الذاتي لدى أجيال المستقبل ليكون شعارا للجميع “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”.

د. عبدالله المفرجي

Hits: 5

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.