التعليم صمّام الأمان

عدد المشاهدات: 11

الرؤية: يُشكل التعليم أحد الروافد المهمة التي تنقل الأمة من مجد إلى آخر، وتحلِّق بها نحو مصاف التقدميّة والإبداع وخلق بيئة ناضحة بالتميّز والمنافسة، فما وصلت إليه سنغافورة وماليزيا وفلّندا واليابان بُني على قناعات مزدانة بإصلاح التعليم وإعادة إنعاشه بما يُحقق العائد التربوي للأجيال والأمة، وكثيرة هي الثورات الإنسانية التي كان منبعها شظف العيش أو مقاصد سياسية واجتماعية كان منبعها الرصيد التعليمي الذي تقلّده واطلع به قادة هذا الحراك في كثير من دول العالم، ولكن على النقيض حينما يكون الفكر والقلب متصحّرًا لا يملك من التعليم السويّ قيد أنملة فإن ذلك يمهّد لشق طريق اللامبالاة وعدم الشعور  بالمواطنة المسؤولة والاحتكام إلى النزعات الفئوية المقيتة.

ومن يتتبع خيوط النهضة العُمانية لفتى السبعين الذي عاهد نفسه وشعبه ووطنه بأن يُعيد عُمان العظيمة إلى سابق عهدها وأقوى من ذلك، يجده يرسم بلوحته الهادئة وألوانه المتوازنة خارطة طريق قويمة نحو بناء الإنسان والأوطان بحرفية تخلق قلبًا وفكرًا مُتّقدا ومقتنعا بهذه السياسات دون إكراه أو إكبار، ومن يُمعن التمحُّص في أدبيات بناء دولة الإنسان السويّ والمواطن الصالح يجدها تنطلق من ثوابت التعليم القائمة على إصلاح الفكر والتوجه وإدراك ما يدور في المحيط باتزان ومسؤولية، فنجد خطابات السلطان قابوس متجذّرة في العمق التربوي والإنساني الداعي إلى الاحترام وتقديس النفس والوطن والعضّ بالنواجذ على الأدبيات النبوية والانطلاق نحو العصرنة والتميّز والابتكار، وعدم الانسياق إلى مستنقعات الإمّعة واستيراد الأفكار النتنة والعناية بالأجيال منذ نعومة أظفارهم بتحكيم العقل والمنطق والحفاظ على كيانهم الاعتباري دون التقليل من أمجادهم وحضارتهم ودينهم، ففي خطابه السامي الثاني لعام 1970 كان حديثه للمواطنين: “لقد كان التعليم أهم ما يشغل بالي وأنا أراقب تدهور الأمور من داخل بيتي الصغير في صلالة ورأيت أنَّه لا بد من توجيه الجهود في الدرجة الأولى إلى نشر التعليم، فلما أذن الله بالخلاص من سياسة (الباب المغلق) كان لنا جهاد وكان لنا في ميدان التعليم حملة بدأت للوهلة الأولى وكأنها تهافت الظمآن على الماء”، لتتوالى مسيرة التعليم ويدعو بعد حين إلى ضرورة التقييم والتقويم المستمرين لهذا القطاع الإستراتيجي في البلاد، ويتضح ذلك جليًا في خطابه للانعقاد السنوي بمجلس عمان 2011م: “ولما كان التعليم هو الركيزة الأساسية للتقدم والتطور ولإيجاد جيل يتحلى بالوعي والمسؤولية ويتمتع بالخبرة والمهارة ويتطلع إلى مستوى معرفي أرقى وأرفع فإنِّه لابد من إجراء تقييم شامل للمسيرة التعليمية من أجل تحقيق تلك التطلعات والاستفادة من فرص العمل المتاحة في القطاعين العام والخاص” وفي ذلك دعوة صريحة من قبل رأس الهرم بالدولة لضرورة مراجعة شاملة للعملية التعليمية وتذليل كل الصعاب التي تحول دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي وضعت منذ انطلاق النهضة الكريمة ونستدل على ذلك بخطابه في العيد الوطني الرابع والعشرين المجيد: “ولتحقيق ذلك كان لابد من نشر التعليم، وكان لابد من ربط هذا التعليم بثقافة الأمة وحضارتها وموروثها التاريخي من ناحية، وبمناهج العصر وأدواته ‏وتقنياته من ناحية أخرى”، وهو ما يتطلب الوقوف بحزم وعزم في وضع قانون التعليم الذي كان على مشارف الانتهاء لكنه تبخر بين غمضة عين وانتباهتها!، وتحقيق الرضا الوظيفي للكوادر التدريسية والفنية والإدارية، ومراجعة شاملة للمناهج من خلال وضع المعايير الوطنية واستقطاب بيوت الخبرة التربوية العُمانية والتي تُعاني من التهميش وعدم الالتفات إليها، ففي رحم البيت التربوي من يحمل شهادات قويمة في الماجستير والدكتوراه وخبرات متعاقبة متراكمة، لكنها بحاجة إلى إعطائها مساحة لهذا الغرض الوطني النبيل.

إنَّ الاهتمام بالعملية التعليمية وإعطائها أولوية قصوى كالاقتصاد والخطط التنموية هي مطلب حتمي لإصلاح هذه المنظومة وبناء هذا الهيكل العظيم روحًا وجسدًا بتعاقب المراحل، فليس من السويّ العودة بين حين وآخر للمربع الأول ففي ذلك استنزاف للمال والجهد والوقت، فما إن كانت المنظومة التربوية مبنية على قواعد متينة فإن ما تفضل به جلالة السلطان من امتعاض نحو الفكر الرجعي والذي ما إن وجد لنفسه موطئ قدم في البلاد فإنِّه بذلك يرسم خريطة الدمار والضياع، ولكن إن تسلّح الجيل بالعلم والتعليم الصالح المتزن فلن يضير الأمة شيء مهما حصل، ونجد ذلك في خطابه الميمون بالعيد الوطني الرابع والعشرين: “كما أن مواهب الفرد وقدراته الإبداعية الفكرية والعلمية والتعليمية والأدبية والفنية لا تنطلق ولا تنمو ولا تزدهر إلا في ظل شعوره بالأمن وباستقرار حياته وحياة أسرته وذويه ومواطنيه، وعلى كل مواطن أن يكون حارسا أمينا على مكتسبات الوطن ومنجزاته التي لم تتحقق كما نعلم جميعًا إلا بدماء الشهداء، وجهد العاملين الأوفياء، وألا يسمح للأفكار الدخيلة التي تتستر تحت شعارات براقة عديدة، أن تهدد أمن بلده واستقراره، وأن يَحذر ويُحذَر من هذه الأفكار التي تهدف إلى زعزعة كيان الأمة، وأن يتمسك بلب مبادئ دينه الحنيف وشريعته السمحة التي تحثه على الالتزام بروح التسامح والألفة والمحبة، إنَّ التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبًا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق”.

دمتم في حفظ الله

سلطان بن خميس الخروصي

Hits: 5

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.