مجتمع المعرفة والأدوار الجديدة للمؤسسات التعليمية

Views: 69

الرؤية: مرَّت المجتمعات الإنسانية بمراحل وتحولات مختلفة، فلو تتبعنا المسار التاريخي لتطور المجتمع الإنساني نجد أن مرحلة المجتمع الزراعي كانت أولى مراحل التطور تلتها مرحلة المُجتمع الصناعي، ثم مرحلة مجتمع ما بعد الصناعة، أو ما يعرف بمجتمع المعرفة فمجتمع المعرفة يعتمد على العقل البشري، واكتشافه للإلكترونيات الدقيقة، والاتصالات، والكمبيوتر، وفي إطار مجتمع المعرفة يمكن للإنسان بسهولة تامة توليد المعارف والمعلومات، ونقلها، وحفظها، وتطبيقها، واختزالها مع إمكان استردادها وتوصيلها بسرعة الضوء إلي أيّ بقعة في العالم، وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع فإنه من الضرورة بمكان تعريف كل من المعرفة ومجتمع المعرفة.

فالمعرفة يمكن تعريفها في هذا السياق بأنها: مزيج من الخبرات، والبيانات، والمعلومات، والأخبار، والقيم، واللوائح والتشريعات، والتكنولوجيا المنظمة والمخزنة، والتي يجب على مختلف المجتمعات استيعابها، وتوليدها، وتنظيمها، والتشارك بها، وتخزينها، وتطبيقها للاستفادة منها في المجالات الحياتية، وفي بناء السياسات والاستراتيجيات المستقبلية، وتحسين حياة الناس ومعيشتهم وتنعكس آثارها على حاضرهم ومستقبلهم.

أما مجتمع المعرفة فيعرف بأنه: ” ذلك المجتمع الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة، وإنتاجها، وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي، متمثلة في الاقتصاد، والمجتمع المدني، والسياسة، والحياة الخاصة؛ سعيًا للارتقاء بالمجتمع الإنساني، من خلال عمليات التنمية الإنسانية المختلفة، والتي توصلنا إلى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية” ( برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003 :32).

ومن خلال التعريف السابق لمُجتمع المعرفة نستنتج أنّ له عددا من الأبعاد المختلفة والمترابطة يتوجب معرفتها وتوظيفها والاستفادة منها بأقصى درجة ممكنة ضماناً للمشاركة الفاعلة في المجتمع الدولي، ومن هذه الأبعاد البعد الاقتصادي: فهو يعتبر المعلومة السلعة أو الخدمة الرئيسية للقيمة المضافة وخلق فرص العمل وترشيد الاقتصاد، مما يعني أن المجتمع الذي ينتج المعلومة ويوظفها هو الذي يستطيع المنافسة والبقاء، والبعد الاجتماعي: فمجتمع المعرفة يشير إلى وعي تام بالثقافة المعلوماتية وتكنولوجيا المعلومات بين أفراده، ويؤكد على المعلومة وأهميتها في الحياة اليومية للإنسان، وسيتوقف العمل في أي مجال كان على إدارة المعلومات والتصرف بها عبر الأدمغة الاصطناعية والوسائل الإعلامية مما نتج عنه ولادة فاعل بشري جديد هو الإنسان الرقمي، والبعد الثقافي: من خلال إعطاء أهمية كبيرة للقدرات الإبداعية للأفراد، وتوفير إمكانية حرية التفكير والابتكار، والعدالة في توزيع فرص التعليم والعمل والخدمات بين أفراد المجتمع، والبعد التكنولوجي: حيث تنتشر وسائل تكنولوجيا المعلومات التي سيتم تطبيقها في كافة مجالات الحياة، مما يتطلب ضرورة الاهتمام بالوسائط الإعلامية والمعلوماتية، وتوظيفها حسب ظروف المجتمع، وتوفير البنية اللازمة من وسائل اتصال وتكنولوجيا الاتصالات وجعلها في متناول الجميع.

إن أهم ما يُميز مجتمع المعرفة أنه يوجد به أفراد لديهم مستوى عالٍ من التعليم، وينمو بشكل متزايد في قوة العمل التي تملك المعرفة وتستطيع التعامل معها، ويعتبر مجتمع المعرفة الإنسان فاعلا أساسيا؛ فهو المعين علي الإبداع الفكري، والمعرفي، والمادي، وهو الغاية المرجوة من التنمية، كما أنَّ مجتمع المعرفة لديه القدرة على التوسع في استخدام الذكاء الصناعي، وتتدفق المعارف والمعلومات فيه بسهولة ويسر وبدون عوائق، بحيث يمكن الوصول إليها بطرق سريعة، وبوسائل متعددة في وقت قصير، وبدون متاعب وتكاليف مجهدة وباهظة، وتكون متاحة للجميع، فهو يتصف بكونية المعلومات.

وبناء على ما تقدم فإن هناك أدوارا جديدة للمؤسسات التعليمية المختلفة يجب أن تضطلع بها في إطار مجتمع المعرفة وصولا إلى تحقيق الجودة، وحرصا على توفير خبرات تعليمية  تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية لدفع عجلة التنمية الإنسانية الشاملة ومن هذه الأدوار: التحول إلى مراكز إشعاع معرفية في مجتمع المعرفة المحيط بها، وتقديم معرفة تخصصية عالية المستوى تساعد المتعلم على الالتحاق بمهنة أو وظيفة معينة، وتقديم برامج نوعية تخصصية تلبي احتياجات العاملين في الحقل التعليمي؛ لتطوير أدائهم بصورة دورية؛ لمواكبة التقدم المعرفي في المجتمع، والتحول لمجتمعات تعلم يشارك أفرادها في تكوين رؤية ورسالة وأهداف مشتركة ملتزمين بالعمل الجماعي، والعمل في فريق، والتأكيد على مهارتي البحث والاستقصاء؛ لتأهيل المتعلم للتعلم الذاتي، وتشجيعه للتعلم مدى الحياة في ظل المُجتمع المعرفي، والتركيز على نواتج التعلم وليس المدخلات والعمليات فقط؛ لضمان إعداد خريجين مؤهلين قادرين على المنافسة في المجتمع المعرفي العالمي، والتطبيق الجيد لتقنيات المعلومات والاتصال في التعليم والتعلم، وفي الإدارة، وربط مجتمعات التعليم ببعضها، وإعداد المتعلمين لمجتمع معرفي كوني مع استيعاب المستجدات الكونية المختلفة، يتم كل ذلك في ضوء الاستفادة من الخبرات العالمية لتحسين الأداء، والأخذ بآليات ضمان الجودة لتقديم خدمات تعليمية عالية المستوى يستطيع الخريجون منها المنافسة في السوق العالمية.

د. حمد بن عبد الله البوسعيدي

Hits: 14

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *