نحو ممكانات أكبر للدور الوقائي النفسي للتعليم

Views: 70

أثير: في ظل التوقعات من التعليم بات البحث في قدرته على بناء ممكنات وقائية نفسية لتشكيل شخصية المتعلم في صورتها المتكاملة، التحدي الأكبر الذي عليه ان يعمل على تحقيقه وترسيخه في نفوس المتعلمين وتعزيز حضوره وفق مواصفات ومعايير ومنطلقات واضحة وضوابط مقننة لتقرأ إنسانية التعليم في تكامل أبعاد هذه الصورة وتناغمها لتحقيق مسارات التحول في حياته، لما يؤديه النقص في الجانب النفسي من خلل في هذه المنظومة وقدرتها على صناعة انسان ملهم واع في عالم متغير.

على ان التكهنات بأن التعليم لم يستطع تخريج متعلمين فاعلين في مجتمعاتهم قادرين على الاستفادة من الفرص المتاحة لهم مجتهدين في استلهام التحول في نتائج تعلمهم، ناتج من أن التعليم ما زال يركز على مسار واحد وهو المعرفة السطحية التي تفتقر لروح الاحتواء والتأثير وتعزيز الدافع، فكانت بذلك شخصية منقوصة غير قادرة على سبر أعماق البعد النفسي الداخلي الذي يفترض من التعليم أن يؤسسه في حياة المتعلم ،لذلك بقيت الفجوة بارزة في ثقافة الأجيال وفقههم وتصرفاتهم ونظرتهم للعالم من حولهم، كما أن المتتبع لشبكات التواصل الاجتماعي والممارسات الفكرية وطريقة الحوار وأسلوب النقاش التي تدور فيها، كافية بإعطاء مؤشرات حول مدى التقدم الذي يصنعه التعليم للأجيال في تحقيق أهدافهم.

وعليه تضع هذه المعطيات التعليم أمام مسارات جديدة لتوفير مساحات أكبر للبعد النفسي وتمكينه في شخصية المتعلم، وهو الدور المفقود الذي نعتقد بأن التعليم لم يوفر له الأرضية المناسبة في الواقع بالرغم من وجود الادوات والآليات والفرص المناسبة له، ولعل شواهد اختبارات الطلبة وحالة القلق والخوف وسلوك الاحباط الذي يصيب الكثير من الطلبة وهاجس الخوف الذي تعيشه الاسرة نحو أبنائها، وسلوك التذمر والتنمّر والاتكالية وضعف الثقة بالنفس لدى المتعلم، وحالة التهور وسلوك الاندفاع والاشاعة ونشر الافكار المعلبة ومشاعر الابهار السلبي والمعلومات المشوهة الجاهزة، يستدعي البحث في ممكّانات نفسية يصنعها التعليم في حياة المتعلمين ويبرزها في محطات انتاجيتهم وشواهد انجازاتهم.

كما أن التحجيم الضيق للبعد النفسي للتعليم وحصره في دائرة السلوك السلبي فقط، أفقد هذا المفهوم حضوره في التعليم، كأحد المرتكزات التي يفترض ان يعمل عليها في إيجاد متعلم قادر على المواجهة والتعامل بأريحية في ظل ما يمتلكه من قوة الدليل وشواهد الانجاز، لا يعتريه الوهن والانسحاب والسلبية والخوف من المواجهة والنزوع إلى التخلي عن مبادئه وقيمه بمجرد التأثير عليه من الآخرين أو تعكير مزاجيته بطريقة استفزازية، ليصبح انسان خامل هامل لا يمتلك مهارات الارادة والبحث، وهو ما يجعل المتعلم تحت شبح الخوف المظلم والقلق المحبط لما تصادره الممارسة التعليمية من حقوق المتعلم النفسية في التعبير عن مشاعره كمنعه من الحديث أثناء شرح المعلم، واجباره على سلوك الصمت الدائم في الموقف التعليمي، وتأنيبه وتهديده بمجرد تحريك الكرسي. أو احداث صوت جانبي او حديثه مع زميله، أو أخذه الى غرفة الادارة أو طرده من المدرسة أو اخبار والديه؛ بما يؤصل فيه عقدة الخوف ويوجهه الى الانسحاب الدائم في المواقف.

من هنا تأتي أهمية بناء مسارات التعليم القادرة على تعزيز البعد النفسي في ذات المتعلم وإدارة مشاعره بطريقة راقية، وخلق ثورة الايجابية في ذاته في قراءة الاحداث والتعامل مع المعطيات دون تشويه للحقائق أو ادخاله في دوامة الشكوك والأوهام، عبر منح المتعلم قوة الارادة فيما يؤصله فيه من اهداف، ويعززه من مبادئ ويرسمه من موجهات، ويمنحه من ثقه، ويؤسسه من شواهد ودلائل واقعية للرد والتعامل مع أي انحراف عن النهج أو سلوك لغير الهدف ، وعندها سيضمن المتعلم قدرته على التكيف مع هذه الحالة، وإدارة محطاتها بفاعلية وكفاءة وحس وشعور ذاتي برغبة التفوق والقدرة على بلوغ الأهداف بجدارة.

وبالتالي فإن المطلوب من التعليم اليوم أن يطور من أدوات تشخيصه للسلوك النفسي ويوفر مقاييس للرصد والتحليل وقراءة الشخصية وتقليل أثر الاضطراب والقلق، بحيث يجد التعليم للبعد النفسي موقعه وحضوره في حزمة الاجراءات والمسارات المنهجية وطرائق التدريس وفلسفة تعلم الطلبة، وأن لا يكون حضور الجانب النفسي للمتعلم في بيئات التعليم لمجرد علاج لمشكلة نفسية قائمة في سلوك الطالب أو متوقعه فيه، بل مدخل لتأسيس القوة في ذاته لنهضة الفكر لديه ونمو طاقاته وصقل مواهبة ورقي حواراته واكتمال بنيته الفكرية وانتصار ارادته النفسية في مواجهة حالات الجزع والخوف من المستقبل، وصناعة القدوة فيه وبناء القدرات لديه بالشكل الذي يضع البعد النفسي مسارا متجددا لشخصية المتعلم الواعي وسلوك التعليم النوعي القادر على صناعة الإلهام والتجديد وإدارة مسار الموهبة في حياة المتعلم، فهل سيعيد التعليم تقريب معادلة التوازن النفسي للمتعلم للواجهة ويضعه في قائمة أولوياته المفقودة ؟

Hits: 17

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *