هل سيؤدي الاعتداء على التاريخ العُماني إلى إعادة إنتاجه في المناهج الدراسية؟

عدد المشاهدات: 41

أثير: يطرح تساؤلنا جملة من الموجهات التي ينبغي على النسق التعليمي استحضارها في مناهجه وأجندة عمله واستراتيجيات أدائه  ومسارات تطويره وبرامجه  وخططه وسياساته والفلسفة التي ينطلق منها في قراءة  التأريخ الحضاري والإرث الثقافي العماني ووصفه للرموز الفكرية والثقافية والعلمية العمانية التي شكلت تحولا في مسيرة البناء الإنساني والتطوير الحضاري  للأمة في عصور الازدهار والقوة والتطور،  لمواجهة معركة سرقة هذا التراث وتشويه صورته ونسبته إلى غير أرضه ، وما يستدعيه ذلك من  الدفع بالتعليم  إلى إعادة شكل الانتاج الثقافي والفكري للتأريخ الحضاري والرموز العمانية في المناهج الدراسية وتوليد البدائل المبتكرة في تنفيذ الأنشطة التعليمية وطرائق التدريس الداعمة، وغرس فقه التأريخ في سلوك الاجيال وقناعاتهم واستيعابهم له كقيمة مضافة في تشكيل شخصياتهم وبناء هويتهم في عالم مضطرب.

على أن دور التعليم يمتد عبر توفير الأدوات والآليات التعليمية التي تمكن المتعلمين من تسويق تأريخهم الحضاري وتراثهم الثقافي بطريقة مبتكرة وأسلوب رصين، عبر توظيف منصات الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي للتعريف بالشخصيات العمانية البارزة  في مختلف المجالات، وامتلاك الحجج والشواهد والأدلة في تفنيد كل المزاعم والأفكار المغلوطة  التي  تنسج حول موطن هذه الشخصيات، أو تنظر إلى التأريخ على أنه جزء من الماضي وأن البحث فيه وقراءته ضرب من التخلف وتذكير الناس به مدخل لإشغال الشباب والمجتمع عن التفكير في طموحاتهم وآمالهم ومستقبلهم، بما يضع التعليم أمام مسؤولية تصحيح هذه الأفكار وتوجيه هذه القناعات بشكل يعكس جودة آلياته وتنوع أساليبه وتعدد منطلقاته وكفاءة أدواته التي يقرأ بها التاريخ، وبالتالي إضافة لحن التطوير والابتكار والتجديد في طرائق تدريسه وآليه وصوله الى  حقيبة الطالب الفكرية وتفاعلاته الذهنية، وتعميق مساحات الأمان النفسي والحوار والاتصال، والتعايش الفكري الإيجابي الذي يصنعه التعليم في ذهن المتعلم ووجدانه مع التأريخ في رسم خريطة الهوية الوطنية والمنهج الحضاري الذي التزمته في مسيرة العمل الانساني، وتقريب المفاهيم والمصطلحات التعبيرية لهم بطريقة تضمن حصولهم على إجابات وافية حول تساؤلاتهم المطروحة، وتمكينهم من اتقان مهارات البحث التاريخي والثقافي وادراك محدداته والياته وطرائقه.

إن مسألة إعادة إنتاج ثقافة التأريخ والرموز الفكرية في المناهج الدراسية يستدعي اليوم تحولا في طريقة عرض المحتوى التاريخي بطريقة سلسة واضحة ممنهجة ترتكز على الإنجاز والحقائق التي صنعت التحول في هذه الرموز الفكرية العمانية بما يضمن استيعاب المتعلمين لهذه الشخصيات وسلوكها الحضاري كجزء من مسارات التعليم عالي الجودة الذي يؤصل الهوية وليس لمجرد كونها مقررات دراسية تضاف للطالب، وهو ما ينبغي أن تركز عليه عملية تطوير المناهج الدراسية في الفترة القادمة  بحيث تتحول طريقة تدريس  التراث والشخصية والرموز والتاريخ من  مجرد مادة تدريسية  اختيارية  إلى كونها مادة أساسية  وقيمة حياتية تنقل الطالب إلى مسارات الالهام والوعي والوصول إلى العالمية والتأثير في محيطه الداخلي والخارجي واكسابه مهارات التفكير العليا في  قراءته للمنجز الفكري والسياسي  لهذه الشخصيات، وفهم المؤثرات التي ساهمت في بناء هذا الشخصيات والبيئة الفكرية والثقافية التي عايشتها وموقعها في التاريخ الإنساني لما من شأنه أن يعزز في نفسه شغف البحث فيها  والشعور بأهميتها في فلسفة تعليمه وغايات تعلمه، وتقريب هذا التاريخ من حاضرهم ومستقبلهم، وحشد التأييد له، وبناء سلوك إيجابي حوله، ووضعه ضمن دائرة الاهتمام لديهم وتوفير مساحات النقد والمراجعة للتأريخ والربط بين أبعاده المختلفة بحيث يوظف هذه  الصورة الذهنية  في رسم ملامح شخصياتهم باعتبارهم نماذج مضيئة ومؤثرين اجتماعيين في الفكر والثقافة ونهضة الوعي وترسيخ المنهجية الصحيحة في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية  في المجتمع.

وعليه فإن المرحلة القادمة تتطلب عملا واقعيا وشراكة فعلية في التعاطي مع هذا الملف، فمن جهة يجب العمل على إيجاد اطار وطني واضح يعرف خلاله المواطن والمؤسسات أين يقف دور كل منهم،  وما هي حدود صلاحياته وكيف يمكن ان يبرز هذا  الرصيد الحضاري بشكل يضمن  ادراك العالم له واعترافهم به ، ومن جهة أخرى أن يتبنى مجلس التعليم وعبر مؤسسات التعليم المدرسي والعالي  وجامعة السلطان قابوس بناء مسارات تعليمية واضحة تبرز الوجه الحضاري المشرق للرموز والشخصيات العمانية مدعومة بالحقائق والشواهد والأدلة التي تضمن مساحات القوة والمهنية في عمليات التأليف للمناهج عامة ومناهج الدراسات الاجتماعية خاصة، وعلى مستوى إعداد المعلم وطرائق التدريس، ومن جهة ثالثة التأكيد على تدريس التأريخ العماني في مدارس الجاليات بالسلطنة وجميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة ولجميع التخصصات بحسب لغتها التدريسية باللغة العربية أو باللغة الإنجليزية وفق متطلب أكاديمي تحسب له ساعاته المعتمدة والتدريسية المناسبة، وإعادة صياغة  المقررات الجامعية المعنية بالتراث والتاريخ العماني التي يتم تدريسها حاليا لطلبة التأريخ بجامعة السلطان قابوس والجامعات الأخرى ، مع التأكيد على أهمية تأسيس مراكز علمية متخصصة لدراسة التأريخ العماني في كل الجامعات الحكومية والخاصة تستقطب الكفاءات الوطنية والعالمية المتخصصة في دراسة التأريخ العماني وتفعيل ما هو قائم منها حاليا، وتعزيز دور كراسي السلطان قابوس العلمية في نقل صورة التأريخ العماني للعالم.

من هنا نعتقد بأن ما خرجت به ندوة المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني في التاسع والعاشر من مايو الجاري، يرسم مسارا جديدا في طريقة التعامل مع التأريخ – لا مجال فيه للانزواء أو التحجج أو التخلف عن الركب – ويستكشف حجم التقدير الاجتماعي لهذه الذاكرة الحضارية العمانية، ويبقى الرهان على التعليم في بلورة هذه السياسات الوطنية المأمولة إلى مسارات عمل واضحة تؤسس لبناء الإنسان العماني الواعي لتأريخه وكيفية ادارته لأحداثه واستثماره وتنقيته وتنقيحه وتطويره بإعادة نهضة التجديد فيه وجماليات الحياة له وادخاله في دائرة الذوق والتحضر والتأثير والاهتمام.

د. رجب بن علي العويسي

Hits: 23

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.