التعليم والهوية، أيهما يأتي أولًا؟

عدد المشاهدات: 46

أثير: تطرح العلاقة بين التعليم والهوية الوطنية تساؤلات عدة حول أيهما يشكل الاخر، وكيف يمكن بناء فرص التكامل بينهما في ظل مرحلة باتت تفرض على التعليم الوفاء بالتزامات أخرى نحو المواطن  وموجهات نقل الهوية الى استراتيجيات عمل وبرامج أداء تظهر في نواتج التناغم بينها في شخصية المواطن ومهاراته،  فالتعليم يشكل شخصية المواطن ويبني هويته ويؤسس فيه مسارات القوة والتجديد والتغيير، نظرا  لما يمتلكه من تأثير وقدرة على الاحتواء وإمكانية توفير البدائل، وتبقى الهوية الوطنية المعيار الذي من خلاله يقاس حجم نواتج التفاعل الحاصل في مختلف المجالات، والمصب الذي  تبرز فيه  محطات التميز والعطاء.

على أن تحقيق هذه الهوية تضع من مسؤولية التعليم التزام القوة والكفاءة في آلياته وأدواته كونه رابطة العمل الوطني مع قطاعات الإعلام والتنشئة الاجتماعية والمؤسسات الأمنية  والتشريعية في تشكيل شخصية المواطن  وإخراجها بطريقة راقية مهذبة قادرة على التكيف مع المعطيات والاستجابة للتوقعات والجاهزية في  إدارة العمليات  اليومية ، وكلما كان هذا الاعداد متناغما مع الأهداف الوطنية العليا التي تنشد تحقيق المواطن العماني الصالح، متساميا فوق كل المؤثرات السلبية، قادرا على نقل المواطن إلى مرحلة الوعي والتفكير والشواهد والأدلة والتحليل والنقد والتفكير خارج الصندوق،  كلما ساهم ذلك في نقل الهوية إلى مسارات التطبيق فتتحول من مجرد كلمات مبعثرة وتعبيرات مصطنعة إلى ممارسة فعلية تبرز في مساحات المشاركة المجتمعية والمبادرات الجادة وتعميق المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي .

ومع التأكيد على أن جودة التعليم هي المحك في نقل هذا التحول في مواطنة المواطن، إلا أن تدني مستويات  جودة التعليم لا تعطي مبررا لضياع الهوية أو انتزاعها من ذات المواطن ، مع إمكانية بقاء أثر ذلك مستمرا في انعكاسه على قوة الهوية ومتانتها وقابليتها للتطور الإيجابي، واعتمادها على مرتكزات بناء القدرات واستعدادها للمواجهة الحكيمة من أجل الوطن، وقدرتها على فهم خطوات التغيير التي تبدأ بإصلاح الذات وإنتاج القدوات، وهو أمر يضع التعليم في الوقت نفسه امام مسؤولية  عدم النزول عن سقف التوقعات المطلوبة منه في المجتمع أو  يقلل مساحة  الثقة التي يؤمن بها المواطن نحوه،  بل أن عليه أن يؤسس للمبادئ والقيم أرضيات التطبيق، ويصنع للخصوصية موقعها في تميز الفرد وتفرده، ليصبح حق الوطن وانسانه محفوظا لا يتغير بتغيير الأزمنة والأمكنة والأمزجة والرغبات ، أو أن  يتجه إلى المقارنات التي تكون بحجم  المصلحة المتحققة في ذات الفرد،  فإن  بقاء سقف التنازلات مفتوحا لدى المواطن نحو مبادئ وطنه، سوف ينعكس سلبا على  هويته (ولائه وانتمائه ومواطنته).

عليه تأتي معادلة التوازن التي يصنعها التعليم في سياساته واطروحاته وبرامجه بشكل يبقى خيوط التواصل مع عصرنة الماضي حاضرة تستلهم معاني الشغف نحو الأفضل والطموح بالزيادة  في تقدم الوطن وتطوره مع إبقاء  جسر احترام المنجز وتقدير الإنجاز ممدودا ، ليستطيع خلاله أن يستكشف موقعه ودوره الذي ينبغي أن يمارسه في سبيل ترقية المشترك وتعميق مرونة التجديد، بما يضمن قراءة المشهد الوطني(التعليم والهوية) بصورة أعمق لتشمل التناغم في الإجراءات وآليات العمل ووضع المواطن في صورة الممارسات المؤسسية وتقييمها ونقدها وزيادة مساحات التنسيق بين المؤسسات.

من هنا يأتي دور التعليم في تأكيد هذا النهج وإبراز الشواهد والأدلة التطبيقية له من واقع الممارسة، وإتاحة فرص البحث والدراسة في عمق هذا التناغم الوطني ورصد الفجوات والتحديات من أجل تذليلها ومشاركة الدولة في الحد منها، وإدخال المواطن في مسارات العمل الوطني الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وعندها سيكون للهوية الوطنية حضور أقوى في الممارسة، وفعلا أعمق في الإنجاز. إن التعليم بذلك رابطة وطنية لبقاء خيوط التواصل ممتدة وخطوات العمل مستمرة باعتباره من أوكلت إليه مهمة البناء الفكري وصقل الشخصية العمانية الواعية، لذلك كان عليه أن يبحث عن سقف أعلى للجودة في ممارساته ومناهجه، ليقدم للقطاعات التنموية الأخرى نماذج حيه من العمل من أجل الوطن كاستحقاقات قادمة تكسبه الثقة المجتمعية والمؤسسية على حد سواء.

إن التعليم والهوية صنوان لا يفترقان والحاجة إليهما اليوم في ظل ما يعيشه عالمنا المعاصر من انتزاع للهوية وانتهاك لمقدرات الشعوب ومنجزها الحضاري والسرقات التي يتعرض لها تراثنا الماجد، يستدعي تقوية بناءهما معا وترسيخ أدواتهما بطريقة تضمن عدم الفصل بينهما كونهما وجهان لمقاربة الوطن في وحدتها واندماج حلقاتها وتناغم غاياتها.

د. رجب بن علي العويسي

Hits: 18

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.