الدراسة في الغرب ودرجة التديُّن (1)

Views: 68

الرؤية: هُناك شعورٌ سائدٌ بأنَّ الدراسة في الدول الغربية (أو غير الإسلامية عمومًا) تضرُّ بحالة التديُّن لدى بعض الطلاب المسلمين؛ فيعودون وقد تشرَّبوا الثقافة الغربية، وآمنوا ببعض عناصرها ومكوناتها، وظهرت على أسلوب تفكيرهم وسلوكياتهم. ولكنَّ ذلك -في الحقيقة- يعتمد بشكل أساسي على الغرض الرئيسي من التوجُّه إلى تلك الدول للدراسة، وكذلك على الجامعات التي يقصدها الدارسون المسلمون (وعوامل أخرى؛ منها: اهتمام الوالدين بدراسة الطالب، ومتابعة الحكومة لها، والصحبة التي يحظى بها الطالب في الخارج). فيما يلي سوف نركِّز على الغرض من الدراسة ومستوى الجامعة، وهما العُنصران اللذان يتحكم فيهما الطالب بدرجة أكبر من غيرهما.

فإذا كان الغرض هو الحصول على الشهادة العلمية فقط (من أجل الوظيفة أو الترقية أو المكانة الاجتماعية)، فإنه غالبا ما ينساق الدارس المسلم في دوامة الثقافة الغربية؛ فنراه يتخلَّى تدريجيًّا عن بعض مبادئ دينه الحنيف وعن هويته وثقافته الإسلامية. فيكون هدفه القيام بمتطلبات الحصول على الدرجة العلمية بأقصر الطرق وبأسرع الوسائل الممكنة؛ لأنه يريد أن يوفر بعض الوقت حتى يتكمن من استقاء بعض من مبادئ الثقافة الغربية عن طريق الحصول على بعض المرح (الذي لا يتوفر في الوطن). وفي أغلب الأحيان، يعود الدارس المسلم إلى بلده وقد تحصَّل على الشهادة العلمية، وليس بالضرورة على العلم الجاد والمعرفة الحقيقية؛ حيث يُمكن الحصول على درجات النجاح في بعض الجامعات دون الحاجة للجد والاجتهاد في الدراسة. ولكنه في كل الأحوال يكون قد أضاع فرصة الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والأكثر من ذلك فإنَّه قد عاد بعد أن خسر بعضا من مبادئ دينه الحنيف، وبعضا من مكونات الشخصية المسلمة.

أمَّا إذا كان الغرض التماس العلم بحق -مع الحصول على الشهادة العلمية، وكذلك الوظيفة والترقية- فإنَّ الدارس يقضي معظم وقته في التعلم؛ وبذلك فإنه يدرب ملكاته العقلية والذهنية والإدراكية ويطور مهاراته وقدراته لكي يتمكن من التعلم داخل الفصل وفي المكتبة وفي المنزل وفي كل وقت وفي كل مكان بنفسه بعد أن امتلك مقومات التعلم ووسائل تطوير الذات والمهارات الذهنية، وبعد أن تعلم من الطلاب الآخرين أساليبَ وطرقا جديدة للتعلم والاعتماد على النفس من أجل تطوير الشخصية وأسلوب التفكير والتفاعل مع كلِّ ما تدركه حواسه والتعلم منه. وفي هذه الحالة، تكون المكاسب أعظم؛ حيث إنَّه يحصل على الشهادة العلمية ويعود متعلما ومعلما مبدعا، ويكون قد نقل للغرب حقيقة أنَّ الأمة الإسلامية أمة طالبة للعلم مُحبَّة للتعلم.

ولكن، ما علاقة ذلك بالدين الإسلامي؟ الحقيقة أنَّ التعلم على الطريقة الثانية يجعل من الطالب باحثا، ومن الباحث العادي مبدعا، ومن المبدع شخصا قادرا على طرح الأسئلة والسعي للتوصل إلى الإجابات، بل والحصول على إجابات جديدة. وذلك لأنَّ التعلم على هذه الطريقة يجعل الدارس يتساءل عن السبب (أو الأسباب) في كون الأشياء والحقائق على ما هي عليه، ولماذا لم تكن بصورة أخرى. فمثلا يتساءل دارس اللغة العربية عن السبب في تأنيث الفعل “اتخذت” بعد لفظ “العنكبوت” المذكر، في قوله تعالى “مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا”، ولم يقل جلت قدرته *كمثل العنكبوت اتخذ بيتا*، اكتشف أن أنثى العنكبوت هي التي تبني البيت، أمَّا الذكر فلا يبني البيت بخيوطه، وإنَّما يستخدمها للتنقل. ويتساءل دارس الطب عن سبب ربط ناصية الدماغ بالكذب والخطأ، كما تنص على ذلك الآية الكريمة: “ناصية كاذبة خاطئة”، اكتُشِف أنَّ مُقدِّمة الدماغ مسؤولة عن تصرفات الإنسان من حيث الخطأ والصواب والكذب والصدق. ويتساءل دارس الكيمياء عن التشابُه الكبير بين مكوِّنات التربة وعناصرها ومعادنها وبين مكونات وعناصر الجسم البشري (رغم الفروق الظاهرية)، الذي قال الله تعالى إنَّه خلقه من طين. ويتساءل دارس الأحياء عن هذا التنوع الهائل في الأحياء البرية والبحرية وعما إذا كانت الطبيعة تكفلت به -كما يقول الدارونيون- أم أنه دليل على وجود الخالق الذي فطر كل شيء وجعل لوجوده حكمة.

ولأنَّ الدين -ورُبما اللغة أيضا- هو الشيء الوحيد الذي نمارسه في كل مكان وزمان وحال، مقارنة بالطب والهندسة والفيزياء والجيولوجيا…وغيرها من العلوم التي تحتاج مختبرات ومعامل، فإنَّ الدارس على الطريقة الثانية يكون دائم التفكير في معاني القرآن الكريم وتفسير آياته (مثلا: لماذا قال الله تعالى “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، ولم يقل جلت قدرته *وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم*؛ لأنَّ طاعة ولي الأمر تعتمد على ما إذا كان ولي الأمر مُطيعا لله وللرسول. ولماذا قال الله تعالى: “وأنزلنا لكم الحديد”، ولم يقل جلت قدرته *وأخرجنا لكم الحديد*؛ لأننا نعرف بأن الحديد يستخرج من باطن الأرض، اكتُشِف حديثا أنَّ الحديد أنزل إلى كوكب الأرض من النجوم العملاقة؛ حيث تمَّ تكوينه من خلال تفاعلات كيميائية تستهلك الطاقة). ويكون دائم التأمل في الأحاديث النبوية الشريفة (وهي وحي من الله تعالى) والمغزى من أحكامها؛ مثلا: لماذا أمر النبي الكريم بغمس الذباب في الشراب إذا وقع فيه؟ ولماذا أوصى بأكل عدد فردي (لا زوجي) من التمر؟!

د. راشد البلوشي

Hits: 85

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *