التعليم والمجتمع الدولي

Views: 74

الرياض: ختمت مقالتي السابقة (مشكلة التعليم وهدفه) بأقوال لثلاثة من الفلاسفة، وكان ثانيها قول الأستاذ أرسطو الذي يذهب فيه إلى أن مهمة الدول هي التعاون في الوصول إلى الفضيلة والكمال، ويكتب في كتابه

(في السياسة) فصلا عنوانه (هل الحياة المثلى واحدة للفرد والدولة)، ويذكر في ثناياه أن الدول نوعان؛ دول ترى السعادة والسياسة الفضلى في التسلط على الآخرين وإخضاعهم، وتنتعش بين مواطنيها ثقافة الحرب، وتكثر فيها الشرائع التي تُعزز الميل لها وتُذكيه، ودول ترى السعادة والسياسة المثلى في نيلها السعادة وبلوغ مواطنيها الفلاح، وترى لغيرها من الدول ما ترى لنفسها، يقول الأستاذ عن النوع الأول: “غاية الشرع الدستوري هي فرض سلطانهم على المجاورين،…، ويوجه أكبر شطر من الشرائع إلى الحرب، والشعوب التي تقدر على بسط سلطانها، كالأسكوتيين والفرس والثراقيين والكلتيين، تُفاخر كلها بمثل هذه المقدرة”، ويحسم الأستاذ موقفه في تأييد النوع الثاني من الدول قائلا: “إلا أن من رام التأمل في الأمر، قد يبدو له غاية في الغرابة، أن يكون من صلاحيات السياسي إمكانية درس الأساليب للتسلط على المجاورين وفرض السيادة عليهم، شاؤوا ذلك أم أبوا”.

والتربية والتعليم في الدول تبع لسياستها، وعلاقاتها بالدول المجاورة لها، وما دامت دولتنا وقادتها يذهبون إلى ما اختاره أرسطو ومال إليه، ويعجبون مما عجب منه، ويروننا جزءا من عالم اليوم، ويعدوننا مجتمعا مُكمّلا لهذه المجتمعات المحيطة بنا؛ فمنتظر من التربية والتعليم والقائمين عليهما أن يصوغوا كل ما فيهما وفق هذه الرؤية، ويراجعوا ما فيهما بناء عليها، ويضعوا قول خادم الحرمين حين قال في إندونيسيا: “الأديان تسعى لسعادة الإنسان، وعلينا محاربة الغلو والتطرف” (جريدة الرياض، 17785) نصب أعينهم؛ فليس كوزارات التربية والتعليم، ولا أنسى بيوت الله عز وجل، شيء يستطيع أن يُدلل على هذه الحقيقة الدينية، التي أشار إليها خادم الحرمين في حديثه، ويجعلها واقعا يعيشه كل مواطن، ويتحلّى به.

المناهج والمقررات يقودها أمران؛ علاقة الدولة بالدول، وعلاقة الدولة بشعبها، وكلتا العلاقتين هدفها السعادة، سعادة الدولة وسعادة الإنسان المواطن، وكما يقول الأستاذ أرسطو: “الغرض الأسمى للإنسان، بإجماع الناس، هو السعادة” (علم الأخلاق)، ومن الظلم أن يريد الإنسان، وكذا الدولة، السعادة لنفسه، ويحرم الآخرين منها؛ فمن السعادة أن تُشارك غيرك في نيلها، وتُعينه عليها، وشاهد هذا ما يجري الآن من تعاون دولي على محاربة التطرف والغلو؛ فالحياة شِرْكة بين الدول والأفراد في نيل السعادة، وتحصيل أسبابها.

ومن وجوه الشركة بين دول العالم التعليمُ الذي ينهض في مقرراته ومناهجه على حضارة العصر وثقافته، ويستمد منهما إطاره العلمي، ويصوغ بهما آفاق الإنسان وأهدافه، ويملأ المتعلم في شرق العالم وغربه بروح الفريق العالمي الواحد، الذي يزخر وجدانه بالشعور الإنساني، ويعمر قلبه بنفع الإنسان وعونه، ويستقرّ في أعماقه أن الحياة شركة لا غير بين الأغيار والمختلفين، ويُدرك أن العلاقة بين الدول والمجتمعات تحكمها مصالح الدنيا وطرائق تحصيلها، وليس الأديان والتوافق فيها، يشهد لهذا أن من مبادئ الإسلام الكبرى، ومعالمه الجليلة، المجمعة عليها بين أهل الإسلام، أن حقوق الناس مبناها على المشاحة، وحقوق الله تعالى مبناها على المسامحة، وإذا نقلنا هذا المبدأ من البيئة المسلمة إلى غيرها؛ وجدناه يعني أن حقوق المجتمعات والدول الأخرى مبناها على المشاحة، وحقوق الله تعالى قائمة على المسامحة، وهذا يقودنا إلى ما ذهب إليه أرسطو قبل، فنكون معهم يدا واحدة في نيل السعادة الدنيوية، وتهيئة أسبابها، فهي المشترك الذي يجمعنا معهم، ويُوحّد بيننا في الجهود وبينهم.

وفي هذا العصر أصبح القائد للعلم والمعرفة أمة غير أمتنا، وشعوبا غير شعوبنا، آمنا بهذا واتفقنا عليه، وانتقلنا إلى بناء مقرراتنا ومناهجنا وفق نتائج العلم التي وصلوا إليها، وثماره التي جادت عقولهم بها، وسعينا بجدّ للمشاركة في تلك العلوم، والانتفاع بما تجلبه، وأنشأنا أقساما علمية في الجامعات تُضارع أقسامهم، وتسير في المقررات على خطاهم، وهذه صورة بيّنة من صور الشركة بيننا وبينهم، وهو دليل ناصع على أننا دخلنا عصرا جديدا في علاقتنا بهم، وعشنا حقبة مختلفة في نظرتنا إليهم؛ فهم شركاؤنا الدنيويون وليسوا بأعدائنا الدينيين، وقد أُثر عن الأولين قولهم: من علّمني حرفا؛ كنت له عبدا، ومن الوفاء، والوفاء من سنن الأنبياء، أن تُجرّد المناهج والمقررات في كل دولة مما يمس اختيارات الدول الدينيةَ والمذهبيةَ، أو يظهر نقدها، والشماتة بأهلها.

إبراهيم المطرودي

Hits: 311

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *