عودة التعليم

Views: 73

الراية: نشأنا في مدارس حكومية تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، كانت مناهج موحّدة، قوية، متنوعة الثقافات والمعرفة، كانت الاختبارات شبه شهرية والواجبات يومية مكثفة، كانت المناهج عميقة ومتفرّعة خاصة في اللغة العربية والشرعية، كنا نحفظ قصائد أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ونُحاسَب على الإملاء وننسخ الكلمات كعقاب، كنّا نحفظ سور القرآن ويتم اختبارنا فيها، وكنا ندرس تفسير القرآن والحديث والفقه، تعرّفنا على التاريخ الإسلامي إلى الدولة العثمانية والثورات الفرنسية والتقسيم البريطاني، تعرّفنا في الجغرافيا على المحاصيل الزراعية للدول العربية ومناخها وبنيتها التحتية، وكانت اللغات سواء الإنجليزية أو الفرنسية في الثانوية موجودة، كان للمدرسة هيبة وللمعلّمات رهبة، كنا نرتعد إذا ما طُلبنا للإدارة، ونخفض أعيننا في حضور المدرّسات، كنّا نقدّم الامتحانات في الكتاب كله، ومادتان في اليوم، وكانت إجازتنا الإسبوعية يوم الجمعة فقط، كانت نسبة النجاح عالية، والرسوب قليلاً، كنا نشارك في حصص للرسم والموسيقى التي تكتشف مواهب الطلبة، وكنا نتبارى على الإذاعة المدرسية والتميّز الصباحي، كنا نقوم بأنشطة صفيّة ولا صفيّة، وكنا نرسم الوسائل التوضيحية والمشاريع التي ترفع درجاتنا، كنا نحب المدرسة ونسعى للتميّز لا النجاح فقط، كانت النصف درجة تؤثر فينا، وكان العقاب يُبكينا ويُخجلنا، والأهم من ذلك كله كانت المدرسة بيتنا الثاني الذي يُربينا.

تغيّر الحال خلال السنوات الماضية في التعليم، خاصة مع المدارس المستقلة التي لم تجد تجاوباً من المجتمع ولا أولياء الأمور ولم تستطع أن تنشئ جيلاً واعداً، مثقفاً، بل ساهمت في تسطيح الجيل أكثر وتشتّت الطالب خاصة أن الرقابة على المناهج كانت ضعيفة، وتختلف من مدرسة لأخرى وفقاً لتوجّهات صاحب الترخيص، وطالما طالعتنا الصحف بشكاوى من أولياء الأمور على المناهج، لم تعد هناك معايير واضحة وثابتة لاختيار الكادر التعليمي، وأصبح كل من هب ودب معلماً، واختلطت التخصّصات وزاد الاحتياج للدروس الخصوصية التي تنهك جيوب أولياء الأمور، وتراجعت نسبة النجاح وظهر جيل خال من الطموح ولا يعرف كيف يحدّد أهدافه ولا يعرف عن التاريخ العربي شيئاً، ويرتكب أخطاء إملائية فادحة، ولا يعرف حدود الوطن العربي، يقدّم اختبارات لمواد يحفظ إجاباتها دون فهم وبعدها اختبارات وطنية لا يملك المعلومات الكافية للإجابة على أسئلتها، ولم يوجَّه التوجيه الصحيح لكسب المعرفة عنها وفيها، ارتفعت نسبة الغياب والتسرّب، ولم يعد للمدرسة والمعلمين احترام وهيبة وأصبح عادياً التطاول على المدرسين وتصويرهم وتناقل فيديوهاتهم للسخرية منهم، وشجَّع بعض الأهالي أبناءهم على التطاول على معلميهم وفي بعض الحالات يُجبر المعلم على الاعتذار للطالب أمام الجميع ما يفقد مكانته وهيبته، فما الأسباب التي أدت لانحدار مستوى التعليم وتدني مستوى معظم الطلبة التعليمي والأخلاقي؟!.

الانتقال للمدارس الحكومية وضبط المنظومة التعليمية من جديد بإشراف وزارة التعليم والتعليم العالي لن يكون سهلاً، فهناك جيل وقع في الهاوية والمنظومة التعليمية تتخبّط منذ عشر سنوات تقريباً والضحيّة هم الطلبة الذين يتخرّجون ولا يعرفون كتابة كلمة (هذا ولكن) فيكتبونها (هاذا، لاكن)، ولكن ليس عيباً الاعتراف بالخطأ وإيقافه والبدء من جديد ووضع استراتيجيات تعليمية جديدة تكون في مصلحة الطالب وتنشئ جيلاً قادراً على مواكبة التطوّر مسلحاً بالمعرفة والثقافة بعيداً عن معلومات الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي ومتابعة الشخصيات التافهة التي لا تقدّم لا أدب ولا معلومات ولا ثقافة ولا أخلاق، فقرار العودة للمدارس الحكومية قرار صائب وكان منتظراً منذ وقت طويل وطالما نادى به أولياء الأمور وخبراء التعليم، فكل التوفيق لوزارة التعليم والتعليم العالي في مهمتها الجديدة، وكلنا ثقة بأنهم قادرون على تخطي المرحلة الصعبة وإعادة التعليم على الطريق الصحيح والسليم!.

 توحيد المناهج واختيار أقواها وأعمقها وتوحيد مواعيد اختبارات الطلبة وإجازاتهم من أهم المطالب التي يطالب بها أولياء الأمور والتي تسبّب لهم أرقاً وتخبطاً في جدول السفر والتمتع بالإجازة!.

المطلوب التركيز على التربية فلن يكون هناك تعليم صحيح دون تربية سليمة!.

أمل عبدالملك

Hits: 317

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *