معادلة الضبط الطلابي.. بدائل وخيارات أوسع (1)

Views: 67

وهج الخليج: يأتي تناولنا للموضوع متزامنا مع ما أثير حول موضوع الضبط الطلابي، والتأويلات التي بدأت تظهر في شبكات التواصل الاجتماعي والواتس أب، عبر سيل المقالات والتغريدات والسخريات والفكاهات أو غيرها حول

 الموضوع، والتي بلا شك تدعونا جميعا إلى مزيد من التأمل والتفكير والاستفادة من المعطيات المعاصرة في تعميق السلوك الإيجابي وترسيخ عاداته في كل جوانب الحياة ، ودور التوجيه السليم والكلمة الطيبة ولغة الحوار كأهم الأدوات المتفقة مع الفطرة البشرية وتؤكدها جميع النظريات الإنسانية بل والواقع الإنساني المعايش، وإن كان ثمّة تغاير في قاعدة الضبط البشري، فإنها استثناءات لا يمكن تعميمها أو البناء عليها، وبالتالي فإن المسألة تتطلب قناعة الممارسين بالبحث عن أفضل الأدوات وأنجع الأطر التي يتشارك فيها الجميع في تعزيز السلوك الإيجابي الراقي وتعميق التربية السليمة، وبناء تحول ذاتي في سلوك المتعلم نابع من اقتناعه بهذه الأدوات وانسجامها مع فطرته السوية، لصياغة مبدأ الحكمة في التعامل مع موضوعات التربية، والتفكير السليم بعيدا عن ردّات الفعل أو الأحكام المسبقة في التعامل مع السلوك البشري ، ولنجعل من التشريعات النافذة المرتبطة بحقوق الإنسان وغيرها، وسيرة السلف الصالح طريقا للتربية المتوازنة التي تحتاجها أجيال هذا العصر بشكل يعزز من اقترابهم من القيم ويؤصل فيهم روح الوعي وصدق الهوية، فإن طبيعة التربية وأساليبها لا يمكن أن تبقى على حال واحد، بل يعتريها التغيير وتدور عليها نواميس للتحول، وما تفكّر به أجيال العصر وطريقتها في التفكير وأسلوب التربية ، جزء من هذه الحقيقة التي ينبغي أن ندركها جميعا ونفهم مقاصدها ، على أنّ مسألة الثواب والعقاب مع التأكيد عليها، إلا أنها في الوقت نفسه تخضع للظروف والأحوال وتتقاسم المشترك مع طبيعة الزمان والمكان والتغيرات التي تحدث في المجتمعات في مختلف مراحل التطور، فهي تسم بالتنوع في الأدوات والأساليب بين الشدة والمرونة ، والقوة والتخفيف، كما أنها ليست محصورة على العقاب البدني، بل تتعدد الاجراءات وتتنوع الآليات بشكل تتحقق فيه مراعاة البعد النفسي والاجتماعي والاخلاقي، وجانب المشاعر والأذواق ، ينطبق ذلك على مفهوم الضبط على مختلف المستويات المهنية والفئات العمرية، والضبط الطلابي جزء من هذه المنظومة الإنسانية المتكاملة الأبعاد المتناغمة، من أجل بناء الإنسان.

عليه ندرك أننا أمام تحولات في معادلة الضبط الطلابي، فبين منظومة تعليم وتعلم تمتلك اليوم بدائل متعددة ونظريات متطورة، ونماذج عمل راقية، وأنماط في الاحتواء التعليمي تشكّل أفضل الممارسات في إدارة السلوك الطلابي، وهي بذلك تتيح للمعلم خيارات أوسع في اختيار نمط تعليمه وأساليبه وطريقة التعلم المناسبة لطلابه، والوسائط التعليمية التي يمكن أن يلجأ إليها المعلم، في معالجة أي مشكلات ناتجة عن ضعف مستوى الانضباط لدى الطالب، لذلك تميزت منظومة التربية عامة بوجود ثراء فكري ومعرفي واسع النطاق، متعدد الاتجاهات متنوع الأطر، سيكون داعما للمعلم والمتعلم في الوصول إلى هدف التعليم، وبين بيئة مجتمعية تتداخل فيها المتغيرات وتتنوع المؤثرات وتتفاعل فيها معطيات التواصل البشري الناتج عن الفضاءات المفتوحة، ولها نظرياتها وقواعدها ومنطلقاتها التي تختلف عما كانت عليه قبل عقود، لطبيعة التطور الإنساني واستراتيجيات الوعي البشري، فكان من نتيجة ذلك، أن تغيرت نظرة المجتمع وولي الأمر والوالدين لمفهوم التربية أو أن الظروف غيرت من دورهم وقلصت في أحيان كثيرة من تدّخلهم المباشر في صياغة الدور، مما كان لها انعكاساتها على مفهوم التعليم وآلياته والطرائق التي يمكن أن يستخدمها المعلم في ضبط سلوك الطلبة وطريقة توجيههم، في ظل منظومة اجتماعية عالمية تعيش حالة اضطراب في التعامل مع القيم وآلية تفسيره، وانعكاساتها في دور التربية الوالدية ومسؤولية الوالدين وأسلوب التعامل مع توجيهاتهما، مما عزز من سلوك الفردية الذاتية وأظهر مفهوم الخصوصية بطريقة أخرى على غير ما اعتادته الأسرة، وقد ساعدت التقنية كلا المنظومتين في التوسع والانتشار وسرعة الرصد والاحتفاظ بالسلوك الايجابي والسلبي الناتج عنها في الذاكرة البشرية، هذا الأمر كان له معطياته على دور المعلم وحدود مسؤولياته فيما يتعلق بالضبط الطلابي وأنظمة الثواب والعقاب، في ظل تزايد عدد المؤثرات وتداخل وتشعب وتعدد الفئات المتفاعلة معها، كالمؤسسات القانونية والشرطية والقضائية والادعاء العام أو الجمعيات والمنظمات المدنية والحقوقية، والمتعاطفين معها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبالتالي كيف يتعامل المعلم مع هذا التحدي، وكيف يوازن بين محوري المعادلة ، وهل يكفي أن يمتلك المعلم القدرة على اكتشاف البدائل المناسبة بنفسه، وما دور التعليم ومؤسساته والقائمين عليه ( وزارة التربية والتعليم والمديريات التعليمية بالمحافظات) في توفير بدائل أوسع وأكثر ملائمة مع متطلبات البيئة التعليمية تراعي خصوصية بيئات الطالب الاجتماعية والتعليمية، عبر إيجاد بنية تنظيمية وتشريعية مناسبة قادرة على الاجابة عن كل التساؤلات التي تبرزها المواقف اليومية للمعلم في بيئة المدرسة والصف الدراسي، بما يضمن حصول كل من المعلم والطالب على حقه في التقدير والاحترام، وللمعلم هيبته وصلاحياته في إدارة السلوك التعليمي بكل مهنية.

ومعنى ذلك أن على وزارة التربية والتعليم أن تمتلك أطرا أكثر وضوحا وسياسات أكثر فاعلية واستجابة في التعامل مع منظومة الضبط الطلابي، قائمة على التشخيص الدقيق والفوري لكل الممارسات الحاصلة، ورصد واقع التنفيذ الفعلي لها من قبل الممارسين من واقع الخبرة والتجربة ، وعبر عمليات التقييم والمراجعة والتصحيح والتعديل والتقويم لهذه الممارسات في ارتباطها بموجهات التطوير التربوي واعتمادها على المبادئ المؤكدة لها في السياسة التعليمية بالسلطنة، واقترابها من منظومة المحاسبية والضبط الطلابي في المدارس، ومستوى الاستحسان لها من قبل المجتمع، والقناعة بها من قبل المعلم، والاعتراف بها من قبل الطالب، والتأكيد عليها من ولي الأمر، ومستوى الخطورة المترتبة عليها وتأثيرها على منظومة الأمن النفسي والفكري للطالب، وهو ما يضع هذه الموجهات الضبطية أمام قراءة واعية مهنية تبرز اتفاقا مجتمعيا واعدا نحوها، بالالتزام بها والعمل على تطبيقها وتحمل الجميع مسؤوليته نحو متابعتها وتنفيذها كل في مجاله، هذا الأمر من شأنه أن يرسم لمسألة الضبط الطلابي أطرها الصحيحة ويجنّبها زلل الاجتهاد والذاتية، وتصبح المتابعة المقننّة ودقة الاجراءات، وتفعيل أنماط التعلم النشط، وتعظيم حضور أساليب التربية الايجابية، وبناء الثقة، وترسيخ قوة الشخصية، والاعتماد على النفس، ومكافأة النجاح، والتحفيز المستمر، وترقية الممارسة الأفضل الصادرة من الطلبة وترويجها في مجتمع التعليم، والأخذ بيد التميّز من الممارسين والطلبة، وفتح المجال للحوار والمشاركة، وإيجاد بيئات تواصلية تفاعلية، ورصد قناعات المتعلمين، وتوقعاتهم، والتأكيد على التعلم الذاتي وفتح قنواته، وتعدد المسارات التعليمية، وجعل التعليم بيئة جاذبة معنويا عبر تقبل فكر الاخر والحوار معه ومكافأته على نجاحه وتمكينه، أو عبر تجنيب بيئة التعلم حواجز الصد والخلاف او القلق أو تكدر الخاطر أو الاساءة أو غيرها، منطلقات ممكنة التحقق لبناء أفضل الممارسات التعليمية، إننا ندرك بأن الجهود كبيرة ولكنها تحتاج إلى مزيد من التقنين وتوحيد لغة الخطاب الرسمي في التعليم ، وترك التعميمات الثانوية حفاظا على المنجز التعليمي، وتوظيفا لفرص النجاح بشكل أفضل.

د.رجب العويسي

 

Hits: 64

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *