بين الدارجة والفصحى في التعليم

Views: 73

مجلة وما يسطرون: في الحديث عن إشكالات اللغة في التعليم يمكن التطرق إلى ثلاثة قضايا رئيسية: أولا، علاقة اللغة بالمجال التعليمي، وما يطرحه من تناقضات وإكراهات، سواء على مستوى الاستعانة اليومية بالدارجة في

 الدروس، أو على مستوى غياب الانسجام بين المقررات العربية و الإنجليزية والفرنسية في مناهج التعليم بالوطن العربي، أو حتى على مستوى تأليف الكتاب المدرسي (الفلسفة والفكر الإسلامي مثلا). ثانيا، إمكانية إسهام اللغة في الانفتاح على العالم الخارجي، وما يطرحه خصوصا الارتباط باللغة الثانية كلغة أجنبية مهيمنة على التعليم والإدارة من تفويت لفرص الانفتاح على علوم ومعارف وأسواق ومجالات متنوعة. ثالثا، الإصلاح اللغوي، وعلى مستوى رد الاعتبار للغة العربية وعناية باللهجات المحلية وانفتاح على اللغات الأجنبية.

“أعيش برجلي في لغات اليومي، وبرأسي في اللغة الفصحى”. هذا التعبير المجازي، الذي صدر عن الأديب القاص أحمد بوزفور يلخص ما ينبغي أن يكون عليه تدبير العلاقة بين الدارجة/ الدوارج واللغة الأم في الفضاءين العام والخاص. ذلك أن هذه العلاقة كانت دائما، بحسب تعبير بوزفور، تمثل الانفتاح القائم بين جميع المكونات اللغوية واللهجية، حيث تستفيد العربية من الدوارج، مثلما تستفيد الدوارج من اللغة الأم، وهي استفادة تنمو وتتطور بحسب تطور المجال والإنسان.
من جهة أخرى، يرى بوزفور، الذي لا يتردد في استعمال التعبير الدارج في كتاباته القصصية وحتى الفكرية/ النظرية والنقدية، أن الكُتاب يستعملون الدارجة، أحيانا، ولا سيما في الحوار، في النصوص الإبداعية، مشيرا إلى أن الكتابة المسرحية كانت سباقة إلى توظيف العامية منذ زمن طويل. كما يرى أن هذا الاستعمال تطور من مرور الوقت، حتى رُشِّد، بمعنى أنه أصبح يستعمل بشكل أرقى من الناحية الفنية. لكن الأهم أن بوزفور يرى استعمال الفصحى في التربية والتعليم ضرورة ملحة، لأن هذا الاستعمال يتيح للأجيال الاطلاع على مخزون ثقافي هائل، ويسمح لهم بتطوير مواهبهم وإمكانياتهم الإبداعية. فكيف ينبغي أن يستجد هذا الاستعمال في التعليم؟
يرى الشاعر والناقد مصطفى الشليح، أن النقاش الدائر حاليا حول الدعوة إلى اعتماد العامية في مجال التعليم ليس جديدا، حيث يشير إلى أن الموضوع أثير في مؤتمر حول لغة الطفل انعقد في القاهرة سنة 2007. بل يرى أن الموضوع أقدم من مؤتمر القاهرة، ذلك أن الشاعر القومي اللبناني سعيد عقل والمفكر سلامة موسى دعيا إلى اعتماد العامية في التعليم والإعلام. ورغم أن الشليح يقول على لسان شيخ الأزهر، الذي أكد خلال المؤتمر المذكور أن “الخطر الأكبر الذي يهدد اللغة العربية لا يكمن في اللغات الأجنبية، بل في اعتماد العامية وسيطة للتخاطب بين الناس”، فإنه يرى أن اعتماد الدارجة في مجال التعليم يكاد يكون مستحيلا. إذ يعتبر أن اللغة العربية هي لغة حضارة وثقافة وعلم، ولها هوية وتاريخ وذاكرة، الخ. فهي لغة سامية ترتبط، حسب رأيه، بالموروث الثقافي والمعتقد الديني.

في المجال الإعلامي، تتبدى ثنائية العامية واللغة الفصيحة جلية. ذلك أن الانتقال من اللغة العربية إلى الدارجة في دبلجة المسلسلات الأجنبية، مثلا، يشكل ملاحظة جديرة بالدراسة والتحليل. فما الداعي إلى هذا التغيير؟ هل هو الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع المتلقي؟ أم أن المسألة تدخل في نطاق الحرب ضد اللغة العربية، كما يقول كثيرون من أنصار الفصحى؟
في هذا السياق، يقول الباحث حسن مالك “إن الازدواجية اللغوية التي تربط اللغة العربية الفصحى والدارجة هي من الازدواجيات المعروفة في الأدبيات السوسيولسانية( علم الاجتماع اللساني ) “. إذ يشير إلى أن “هما معا تنتميان إلى نفس السلالة اللغوية وهي السلالة السامية. ويتوزعان حسب وظائف سوسيولسانية متسمة بالتكامل تارة وبالإقصاء تارة أخرى”. كما يقول إن “الواقع اللغوي يظهر أن العربية الفصحى تستحوذ على المجالات التواصلية الرسمية مثل: المجال الديني والمؤسسات التربوية والإدارية كما تستعمل كأداة تعبير عن الثقافة العالمية والآداب المكتوبة ومن هنا تكتسب طابع اللغة الرفيعة .High Language”
أما الدارجة ، فهي حسب قوله “لغة الاستعمال اليومي الحميمي خاصة في الوسط الأسري وفي مجالات التواصل الاجتماعي بين الأفراد. كما تستعمل في مجالات الآداب الشفوية الشعبية من موسيقى وأمثال وحكايات… من هنا فهي تكتسي طابع اللغة الوضيعة Low Language. حسب التقسيم الشهير لفيرغيسون. وهناك مستوى ثالث ناتج عن تفاعل الفصحى والعامية وهو ما يسمى بالعربية الوسطى أو الوسيطة”.
من جهة أخرى، يرى مالك أن تحويل الدارجة إلى لغة رسمية أو لغة للتعليم أمرا “غير ممكن من الناحية العلمية حيث تشترط مجموعة من الدراسات السوسيولسانية توفر مجموعة من القواعد لتحقيق هذا الهدف. من بين هذه القواعد: 1- المعيرة: وتعني خضوع الدارجة لعملية تقعيد تهم كل المستويات اللغوية.2 – القدرة الوظيفية: وتعني استعمال الدارجة في كل المجالات الوظيفية الرسمية بالإضافة إلى البحوث العلمية والأدبية. 3- المقبولية: وتعني أن الدارجة لا يمكن أن تصبح لغة إلا بقبول المجموعة اللسانية بها”. ويخلص إلى أنه “يمكن القول بأن مشروع ترقية الدارجة إلى مستوى لغة للتدريس لا يمكن أن ينجح في ظل سياسات لغوية مبنية على أسس علمية واضحة ورصينة”.
“الفرنسية فقيرة، رغم كونها لغة جميلة”. إنه تصور عام يطرحه الشاعر مصطفى الشليح حول مساهمة اللغة الفرنسية في تحقيق مفهوم الانفتاح لدى الإنسان المغربي. لكنها لم تتطور، بحسب قوله، لتجاري سيرة اللغة الإنجليزية مثلا، التي تعتبر لغة العلم والتكنولوجيا، أو اللغة الألمانية، وإن كانت ليست أقوى كالإنجليزية، أو الإسبانية التي تعتبر اليوم أكبر لغة مترجمة في العالم.
ورغم أن الشليح لا يميل إلى المفاضلة بين اللغات، إلا أن يفضل من الناحية البراغماتية أن يعتمد اليوم اللغة الإنجليزية والفرنسية لغة ثانية، حيث يرى أن هذا الاعتماد من شأنه أن يغير نمط تفكيرنا، ويستشهد بمقولة متوارثة مفادها أن على الإنسان أن يطلع على أكثر من لغة أجنبية واحدة. في هذا السياق، يعتبر إجراء الانتقال من اللغة الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية في بلدان المغرب العربي لا ينبغي أن يتم فجأة، بل يجب أن يتم عبر مراحل، وعبر إرادة سياسية قوية، وبتوافق بين جميع الأطراف. لكنه يوضح أن هذا الأمر لن يتحقق في الوقت الراهن، نظرا لغياب هذه الإرادة السياسية.

لا يمكن عزل تهميش اللغة العربية عن إشكالية لغوية مطروحة بحدة خاصة عند المدافعين عنها. يتعلق الأمر بما يمكن تسميته بـ”هيمنة الإنجليزية والفرنسية” على الإدارة والاقتصاد، وعلى جزء كبير من التعليم في الوطن العربي. في هذا السياق، يستهجن بعض الباحثين فرض لغة أجنبية واحدة على التلميذ العربي.
فمن الناحية العملية، ينبغي أن يكون هناك انفتاح في التداول اللغوي بل وأن يكون هناك تنافس بين أكثر من ثلاث لغات أجنبية على الأقل.
في نظر فيصل الشرايبي، لا تكمن في المشكلة في اللغة العربية، بل في حاملها. إذ يرى هذا الأستاذ المتخصص في تدريس اللغة العربية أن لغة الضاد هي اليوم في أمس الحاجة اليوم إلى رد الاعتبار، حيث يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في الحصص المخصصة لتدريسها، سواء في المسالك الابتدائية والإعدادية والثانوية، أو حتى الشعب الجامعية. كما يدعو إلى إخراج أكاديمية اللغة العربية إلى حيز الوجود، موضحا أن من شأن هذا المشروع أن يصاحبه إنشاء مراكز متخصصة في تعليم اللغة العربية آثارها الأدبية والفنية والرمزية.

Hits: 81

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *