لعنة المعرفة وكيفية إبطالها أو التخفيف من آثارها

Views: 84

نوت: قد تصبح المعرفة شيئا كاللعنة؛ ففي مرحلة من المراحل يميل المُتعلِّمون إلى نسيانِ تلك الأوقات العصيبة التي كابَدَوا فيها ليتعلموا شيئا ما، وينسون أن ما تعلموه كان نتاج عملية تعليمية مطولة، وينخدع الواحد منا وتعمى بصيرته بفعل ما لديه من كم هائل من ثقافة ومعرفة، فيفترض أنه من السهل على الآخرين أيضا استيعاب تلك المعارف. وهذه هي باختصار لعنة المعرفة.

إذ تنتشر في العديد من القطاعات – وعلى سبيل المثال لا الحصر- قطاعات تنمية الطفل، والاقتصاد، والتقنية. أما في قطاع التربية والتعليم، فلتأثير هذه الظاهرة علينا كمدرسين يمكن أن يُلاحظَ في الآتي:

  • إننا لا نتذكر شعور أن يجهل الواحد بما نحن ندرِّسُهُ الآن، وهو شعور خالَجَنا عندما كنَّا في نفس موقف طلابنا ممن يتعرضون لتلك المعرفة لأول مرة، ويحاولون جاهدين استيعابها.
  • وإنه ليس في مقدورنا استحضارَ الجهد المُضني الذي مررنا به لنتعلم ما تعلمناه.

والنتيجة؟ ينتهي بنا المطاف لنفترض أن محتوى دروسنا سهلٌ، ويَسيرٌ، وواضح، ومُباشَر، متوقعين أن يكون طلابنا قادرين على الربط الذهني بين المعلومات، والأحداث، والشخوص، والأزمنة، دون جهدٍ يُذكر! أمثال هذه الفرضيات هي السُّوسُ عينهُ يَنخرُ في أدائنا كمعلمين ليُصبحَ شرحنا للدروس هزيلًا؛ فنحن قد نُعطي طلابنا المُختصَر من الدرس، وليس كل مختصرٍ مفيد! والضحية هُم الطلاب أنفسهم!

أما لنتعافى من تأثير هذه اللعنة فهناك سبعة طرق لإبطال مفعولها أو الخفيف من آثارها.

  1. إثارة المشاعر الإيجابية لدى المتعلمين

أن تبدأ درسك بنكتة، أو فلم فكاهي، أو غيرها من المقبلات المُشهِّية للانتباه قبل أن يتعرض طلابك لمحتوى الدروس لَهُوَ عامل مساعد لك لكي تخفف من أثر لعنة المعرفة، وهذا ما أكدته خبيرة علم النفس الإيجابي، باربرا فريدريكسون، التي قامت بدراسة التأثيرات التي تُحدثها عملية استهداف المشاعر الإيجابية في العادات والسلوكيات الذهنية للمتعلمين، وخَلُصَت دراستها إلى أن المشاعر الإيجابية لها دور في التحفيز الذهني كالرغبة في التركيز والانتباه، وعدم اليأس إذا ما اعترض طريق المعلم عقبة ما.

  1. محاكاة الدروس لمختلف الحواس

لجعل عملية التعلم والاستيعاب أسهل وأسهل، ولتقوية قدرة طلابك على استحضار المعلومات، اجعل دروسك محاكية لمختلف قدراتهم ومهاراتهم، لا تركز على مهارة واحدة قد لا يمتلكها طلابك الآخرون وتهملهم، ولا تقيد أسلوبك في التدريس بأي قيد كان.

  1. الاستذكار المستمر

هنالك مصطلحين في علم التربية والتعليم يصفان نوعين من الممارسات التربوية وهما: (Blocked Practice)، و (Spaced Practice). أما ما نسميه بـ Blocked Practice فيعني أن يقوم الطالب بحشر المعلومات في ذهنه خلال سويعات معدودة محضرا لاختبارٍ – مثلا- أو ما يسمى باللغة الإنجليزية (Cramming)، أو أن يقوم المعلم بتعبئة معلومات دسمة في محتوى درس واحد دون تسلسل في الأفكار والمواضيع المتفرعة، بعكس الممارسة الثانية(Spaced Practice)  التي تأخذ فيها كل من عمليتي الشرح والتعلم مجراهما مع الوقت، فقد يأخذ الأمر ساعاتٍ، أو أيامًا، أو أسابيعَ، وحتى أشهرًا إن لَزَمَ الأمر لتدريس وتعلم موضوعٍ ما؛ وهذا ما يجعل عملية استذكار المعلومات وربطها ببعضها أسهل.

  1. استخدام القصص

كانت القصص والحكايات الوسيط الرئيسي التي تناقل من خلالها الناس تاريخ الإنسانية، والسبب في كون الأقصوصة أداة تعليمية فعالة هو أنها تستهدف نرجسيتنا الفطرية، فنحن أثناء استماعنا لقصة ما، نميل لربط أحداثها بحياتنا، ونضع أنفسنا مكان الشخوص فيها حسب سلوكها وأفعالها. هذه هي الطريقة التي يقوم بها الطلاب بتكوين روابط ذهنية بين الأحداث والمعلومات. وإذا كانوا يستمعون إلى قصة قد قمت فيها بدمج الأحداث بمحتوى تعليمي فإنه يغدوا من السهل عليهم أن يستحضروا تلك المعلومات بمجرد تذكر القصة.

  1. المقارنة والتمثيل

كما يقال في العربية: “بالمثال يتضح المقال”. إن استخدامك للكثير من الأمثلة يحفز الدماغ على البحث بين مختلف الخيارات المتاحة لعمل مقارنات بين بعضها البعض. فلو أردت شرح عمليتين مختلفتين، فما عليك إلا أن تقوم بمقارنتهما وإيجاد أوجه الشبه والاختلاف فيهما، وما إذا كان في المقدور أن نتوصل لنفس النتائج أم لنتائج مختلفة، وهكذا. تأكد أنك أعطيت طلابك ما يكفيهم من أمثلة لتتأكد من مدى استيعابهم.

  1. التجديد والإبداع

جميعنا يعرف أن المدرسين قد يقضون سنوات طوالا يدرّسون نفس المحتوى بنفس الرتابة، وهذا ما يجعل لعنة المعرفة خطرا جسيما هنا؛ إذ يقوم المعلم بمحاضرة طلابه متجاهلا حقيقة أنهم جاهلون بما يُحاضر. أن ينظر الواحد منا إلى محتوى درسه من منظور مختلف في كل مرة، وأن يستخدم طرقا مختلفة للشرح ليجعل دروسه مثيرة للاهتمام يزيل تلك الرتابة في حياتنا كمدرسين، ويزيل رتابة الحصص الدراسية. إن ما يثير اهتمام الطلاب لدرس ما أو معلومة ما سببه أن الدماغ البشري يفرز مادة الدوبامين عندما يتعرض لأنشطة جديدة ومثيرة للتحدي، والدوبامين هرمون يجعل المتعلمين يشعرون بالسعادة إذا ما قاموا بإنجاز شيء ما؛ وهذا بدوره يجعل عملية التعلم أسهل لهم.

  1. بناء المعرفة

تُبنى المعرفة على أساس كما تعلمون، فلو كان لدى طلابك معلومات أساسية يبنون عليها ما يتبع من شروحات، لكان من السهل عليهم بناء معرفة ما في مجال تلك المادة. ومن الصعب على طلابك إنتاج أفكار جديدة لو لم يكن لديهم أفكار قديمة يبنون عليها أفكارهم الجديدة. لا تكتفِ بحشر الحقائق العلمية في أدمغتهم بل ابنِ فيهم خلفية معرفية، فامتلاك خلفية معرفية سابقة في مجال ما يعمل كمحفز وعامل مساعد ليستوعب المتعلم ما هو قادم من معارف.

Hits: 74

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *